فهرس الكتاب

الصفحة 25742 من 27345

وفي المحاجة والمخاصمة؛ فحين نجادل ونحاج الناس أيًّا كان خطؤهم فلا بد أن نحاج بالدليل والبرهان والحجة، أليس الله عز وجل قد حاج الذين اتخذوا من دونه آلهة وطالبهم بالبرهان؟ أليس قد طلب البرهان من الذين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، ومن الذين ادعوا أنهم وحدهم هم الذين يدخلون الجنة يهودًا كانوا أو نصارى، فغيرهم من باب أولى.

و من هنا فلا مقام في ميدان الجدل إلا للدليل والبرهان، والحجة والدليل لا يقف أمامها أحد، ويخضع لها الناس الصادقون الذين ليس لديهم هوى وميل إلى حظوظ النفس.

وصاحب البرهان والحجة هو وحده الذي لا يتناقض، أما الذي تحكمه العواطف فهو يومًا يقول قولًا ثم تأتيه عاطفة أخرى فيقول بخلافه، ويومًا يقول القول وينقضه غدًا.

أما الذي دافعه ورائده الحجة والبرهان فإنه لا يتناقض ولو رأى الدليل في غير ما قاله بالأمس، فإنه يستطيع أن يقوله بكل ثقة وطمأنينة قد كنت أقول هذا القول فبدا لي خلافه والحق ضالة المؤمن، والرجل الشجاع والصادق هو الذي يرجع إلى الحق حين يستبين له.

إن صاحب البرهان هو الذي يستطيع أن يطرح رأيه بوضوح، بعيدًا عن الضجيج والصخب و الاتهام والإرهاب الفكري.

إن الذين يحتاجون إلى الألقاب الواسعة والذين يعمدون إلى لغة الصخب والضجيج ورفع الأصوات، وإلى مصادرة أصوات الخصوم هم أولئك الذين لا يملكون حجة ولا برهانًا، أما الذين يملكون الحجة والبرهان فهم يعرضون رأيهم بوضوح وهدوء، وهم على أتم الاستعداد أن يدافعوا عن قولهم وينافحوا عنه، بعيدًا عن الاتهام والصخب والضجيج والحديث عن النوايا والألفاظ المنمقة.

و أخيرًا: صاحب الحجة والبرهان والدليل هو الذي ينجو يوم القيامة لأن الله عز وجل سيسأل يوم القيامة [و يوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين] ،فالناس جميعًا سيسألون ماذا أجبتم المرسلين فيما أتوكم به من كتاب الله سبحانه وتعالى وفي ما أتوكم به مما قالوه لكم وهم لا ينطقون عن الهوى، فلئن اجتهد المرء في أمر واتبع نصًّا من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلم يوفق لاتباع الحق فهو مأجور أجرًا على اجتهاده، أما الذين يتبعون البشر دون حجة وبرهان فويل لهم حين يسألون هذا السؤال.

ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في خصامه مع أهل البدع:

لا بد أن نلقاه نحن وأنتم *** في موقف العرض العظيم الشان

وهناك يسألنا جميعًا ربنا *** ولديه حقًّا نحن مختصمان

فنقول قلت كذا وقال نبينا *** أيضا كذا فإمامنا الوحيان

فافعل بنا ما أنت أهل بعد *** نحن العبيد وأنت ذو الغفران

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم إتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجنبنا وإياكم الأهواء ومضلات الفتن؛ إنه سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب، هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت