فالكاهن: هو الذي يدعي علم الغيب ويخبر عن الأمور المستقبلة، والعراف: أعم من الكاهن؛ فيشمل الكاهن والرمّال والذي يضرب الحصى والمنجم. وكله من الدجل والشعوذة. والكاهن قد يتكلم ببعض الأمور المستقبلة فتقع كما أخبر، وليس ذلك من علم الغيب ولكن لأن له معينًا من الشياطين يخبره بما قدرت عليه الشياطين من استراق السمع. فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء) . إذا فالكاهن قد يقول شيئًا ثم يقع؛ لكن يكذب معه مائة كذبة. وإذا عُلم هذا، علمنا أن إدعاء الكاهن للغيب زورٌ وكذب وبهتان، وإنما هي أخبارٌ استرقتها الشياطين فألقتها إلى إخوانهم الكهان.
وإتيان العراف والكاهن محرم. لحديث صفية-رضي الله عنها- عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) . وحديث أبي هريرة والحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -) . والحديثان ظاهرهما التعارض؛ ولكن عند التأمل يزول الإشكال ولا يكون هناك تعارض. يبين ذلك التقسيم التالي:
أولًا: من أتى الكاهن أو العراف فسأله من دون أن يصدقه، فإنه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة.
ثانيًا: من أتى الكاهن أو العراف فسأله وصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وهناك قسمة ثالثة: من أتى الكاهن أو العراف لاختباره ومعرفة صدقه من كذبه، وفضح أمره إن كان كاذبًا، فهذا مأجورٌ على فعله ولا يدخل فيمن توعد في الأحاديث السابقة، يدل لذلك اختبار النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن صياد، فقال له-النبي - صلى الله عليه وسلم: (خبأت لك خبيئا قال: الدخ. قال: اخسأ فلن تعدو قدرك... الحديث) .
وأما التنجيم: فهو تفعيل من النجم، ومعنى نجم أي تعلم علم النجوم أو اعتقاد تأثير النجوم. والمنجم هو الذي يزعم أنه سيكون كذا لأن النجم الفلاني صار كذا، أو يقول أن فلان سوف يشقى في حياته لأنه ولد في النجم الفلاني، وغير ذلك من التخرصات والظنون الكاذبة.
تنبيه: كل ما كان فيه إدعاء لمعرفة الغيب فهو كهانة، كالخط على الرمل، والضرب على الحصى، (وقراءة الكف ) فكلها كهانة.
وليس من الكهانة الإخبار عن كسوف الشمس أو خسوف القمر، لأن ذلك يخضع إلى حسابات معينة يقوم بها (الفلكيون) للاستدلال بها على الكسوف والخسوف أو الظواهر الفلكية الأخرى، فهو ليس من علم الغيب. وليس من الكهانة معرفة أحوال الطقس المقبلة، لأن ذلك يستند إلى أمور تدرك بالحس والمشاهدة.
تنبيه آخر: تخصص بعض المجلات صفحة أو بعض صفحة، تروج فيها إفك المنجمين، وتعنون لها بحظك اليوم أو برجك اليوم زورًا وبهتانًا، وحقيقته دجل وتنجيم وتخرص وظنون كاذبة.
والله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين
تم الفراغ منه في ليلة السبت الموافق للتاسع من شهر الله المحرم لعام ألف وأربعمائة وإحدى وعشرون للهجرة النبوية الشريفة...