وهذا هو رأي ابن عباس رضي الله عنهما كما ذكر ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره 6/1803 - والبيهقي في سننه (ح17938) - وروى أبو داود في سننه في الجهاد، باب في نسخ نفير العامة بالخاصة (ح2505) - والبيهقي في سننه أيضًا، في السير، باب النفير وما يستدل به على أن الجهاد فرض على الكفاية (ح17937) - من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال في قوله:"إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا" [سورة التوبة 39] ، وقوله:"ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله" [سورة التوبة 120] قال نسختها الآية التي تليها:"وما كان المؤمنون لينفروا كافة" [سورة التوبة 122] .
وبهذا التفصيل السابق تجتمع الأدلة، ويتم إعمالها جميعًا، وتُنزل النصوص في محالِّها، فأما كون الأصل الأول الذي يتحدد به نوع العلاقة، دعوتهم إلى الإسلام قبل قتالهم فهذا محل اتفاق بين أهل العلم (43) لأدلة كثيرة منها:
1-قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب يوم خيبر: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (44) ."
2-كان صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال:اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ..." (45) ."
3-قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما قاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قومًا قط إلا دعاهم) (46) . قال الطبري: (أجمعت الحجة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لم يقاتل أعداءه من أهل الشرك إلا بعد إظهاره الدعوة، وإقامة الحجة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر أمراء السرايا بدعوة من لم تبلغه الدعوة) (47) . ومعنى هذا أن دعوة الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم أمر واجب إن كانت دعوة الإسلام لم تبلغهم، ومستحبه إن تكن قد بلغتهم، هذا إذا كان المسلمون هم الذين قصدوا الكفار في ديارهم، أما إذا كان الكفار هم الذين قصدوا المسلمين ففي هذه الحالة للمسلمين أن يقاتلوهم من غير دعوة، لأنهم بذلك يدافعون عن أنفسهم وحريمهم . (48) .
وإلى هنا انتهى المقصود - باقتضاب شديد - والله أعلم .
(1) أخرجه مسلم في صحيحه 5/139، والترمذي (ح 1617) ، وابن ماجه (ح2858) من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه .
(2) أخرجه مالك في الموطأ، في الجهاد، النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو (ح1292) عن يحيى بن سعيد مرسلا.
(3) حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام، للعايد ص 6 - نقلًا عن قصة الحضارة 13/131.
(4) معاملة غير المسلمين في الإسلام 1/256 - إعداد: المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية - الأردن .
(5) مستشرق فرنسي، كان يدرس اللغات الشرقية في باريس، له العديد من المقالات عن جغرافية البلدان الإسلامية، وألف كتابًا اسمه:"تاريخ فلاسفة المسلمين وفقهائهم". انظر: الأعلام للزركلي 5/120 .
(6) ينظر: هداية المرشدين، لعلي محفوظ ص 531، ومنهج الداعية في دعوته لغير المسلمين، لأسماء الوهيبي ص 13 .
(7) الحسبة في الإسلام، لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 13 .
(8) أخرجه مسلم في صحيحه، في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (ح2167) - من حديث أبي هريرة .
(9) أخرجه البخاري في صحيحه في الأدب، باب 35- ومسلم في صحيحه في السلام (ح10) - من حديث عائشة .
(10) أخرجه مسلم في صحيحه في البر والصلة (ح87) - من حديث أبي هريرة .
(11) أخرجه البخاري في صحيحه، في المغازي، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو (ح4392) ، ومسلم في صحيحه في فضائل الصحابة (ح2524) - من حديث أبي هريرة .
(12) أخرجه مسلم في صحيحه في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (ح2167) - من حديث أبي هريرة .
(13) فتح البارىء 11/40 .
(14) انظر: تفسير الطبري 25/63 .
(15) تفسير ابن كثير 4/136 .
(16) ص 533 .
(17) يراجع في تفاصيل ذلك: الولاء والبراء في الإسلام / للقحطاني . والموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية / للجلعود . والاستعانة بغير المسلمين ص 51 - 86، وفقه الاحتساب على غير المسلمين ص 33 - 36 كلاهما للدكتور عبد الله الطريقي .
(18) ويراجع في تفسير الآية: تفسير ابن كثير 1/538 .
(19) زاد المعاد 3/158- 161 .
(20) الذمة: بمعنى العهد والأمان والضمان والحرمة والحق . ومثلها: الذمام . ( انظر: النهاية في غريب الحديث 2/168 ) .
(21) على أنه ينبغي أن يعلم بأنه لا يجوز عند الفقهاء عقد معاهدة أبدية، انظر أحكام المعاهدات في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة د / إسماعيل العيساوي .