فهرس الكتاب

الصفحة 25995 من 27345

وبناء على هذه المعطيات التي تجمعت لنا حول كتاب الإعلام ننظر الآن إلى أي حد تتوافق وأحوال القرطبي المفسر محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الذي ينسب إليه الكتاب . فنقول كان القرطبي المفسر حتى سنة 628هـ/1231 م لا يزال يقرأ العلم على مشايخ قرطبة (19) ، بل إنه في السنة التي سبقتها قد تردد في مسألة علمية بين ثلاثة من علماء قرطبة ليستفتيهم في شأنها (20) الأمر الذي يفيد أن القرطبي المفسر حتى ذلك الحين لا يعدو أن يكون طالب علم في قرطبة لا يتميز عن غيره من الطلاب . وإذا تذكرنا أن كتاب الإعلام قد ثبت تأليفه قبل عام 633هـ 1236م وربما قبل ذلك بسنوات ليست قليلة - كما رجحناه- وأن مؤلفه - حسبما استنتجنا - كان من علماء قرطبة البارزين ، وأنه متخصص في الدراسات المتعلقة بالنصرانية - إذا تذكرنا هذه الأشياء جميعها وقارناها بوضع القرطبي المفسر في المدة الزمنية عينها ألفيناها بعيدة الاتفاق ، وأنه من غير المعقول أن يكون القرطبي هذا هو مؤلف الإعلام ، فهو لم يكن حينذاك من علماء قرطبة المعدودين ،ولم يبدُ عليه أي اهتمام بالدراسات النصرانية وما يرتبط بها ، وإذا ملنا إلى تأليف كتاب الإعلام في أوائل القرن السابع الهجري كان القرطبي المفسر - فيما يبدو - صبياً وقتها ليس في مقدوره تصنيف الكتاب ناهيك عن تصنيف كتاب مثل كتاب الإعلام.

وأمر آخر يضعف أن يكون كتاب الإعلام للقرطبي المفسر ، وهو أن نسبة هذا الكتاب إليه تبناها بعض المهتمين بكتب التراث من المتأخرين (21) فما تحت أيدينا من مصادر قديمة سواء كانت مغربية أو مشرقية ترجمت للقرطبي المفسر لا تذكر كتاب الإعلام في عداد مؤلفاته ، مع أنه من المفترض - لو كان قد ألفه - أن يأتي ذكره في رأس قائمة المصنفات التي كتبها بصفته أحد مؤلفاته الأولي ؛ وبخاصة عند المغاربة والأندلسيين ،إذ يلزم أن يكون القرطبي قد كتب كتاب الإعلام قبل مغادرته الأندلس ،ولو كان ذلك كذلك لما فات على هؤلاء المؤرخين المغاربة والأندلسيين معرفتهم بتأليفه له- وهم الذين حرصوا على تتبع أخباره لما استوطن مصر بعد تركه الأندلس (22) .

ومما يضعف نسبة الإعلام إلى القرطبي المفسر - أيضاً - أن الذين كتبوا عنه من المعاصرين ، وعنوا بحصر مؤلفاته ، وتعقبوا أماكن وجودها ، لم يعثروا على إشارة لهذا الكتاب في تضاعيف مؤلفاته المعروفة رغم أن كتبه ترددت أسماء بعضها في بعض ، لأن منهجه في التأليف الابتعاد عن تكرار المعلومات أكثر من مرة (23) ، فكثيراً ما يكتفي - إذا عرضت له مسألة من المسائل - بالإحالة من كتاب إلى آخر من كتبه ، فيذكر هذا الكتاب أو ذاك بعنوانه المعروف (24) . ولا شك أن كثيراً من المسائل المتصلة بالنصارى وعقائدهم قد تطرق إليها ، وبخاصة في كتابه التفسير ، فلو كان الإعلام من مؤلفاته ليس هذا فحسب ، بل ومن أوائلها لأحال إليه وردد اسمه سواء في التفسير أو غيره.

وخلاصة ما نخرج منه بعد هذا النقاش أن القرطبي المفسر محمد بن احمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري المتوفى سنة 671هـ/1273م يبعد أن يكون هو مؤلف كتاب"الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام"والأقرب أن يكون مصنفه أحد علماء قرطبة الآخرين ، وربما كان من شيوخ القرطبي المفسر .

ولقد عثرنا على إحالات لأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي (25) ( ت656 هـ/1258م وهو شيخ القرطبي المفسر(26) . في شرحه لصحيح مسلم (27) يشير فيها إلى كتاب اسمه"الإعلام"، وذلك في عدة مواضع ، الأول: حينما عرض لبركة النبي صلى الله عليه وسلم قال: وذكرنا من ذلك جملة صالحة في كتاب ( الإعلام بمعجزات النبي عليه الصلاة والسلام ) (28) "الثاني: لما أشار إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أعطي من كل نوع من أنواع معجزات الأنبياء عليهم السلام قبله عقب على ذلك بقوله"كما أوضحناه في كتابنا المسمى بـ ( الإعلام بصحة نبوة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام) " (29) الثالث: عندما تطرق لصفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتب القديمة قال"وقد ذكرنا منه مواضع كثيرة جاءت في كتب أنبياء بني إسرائيل في كتاب (الإعلام) " (30) . الرابع: حين رد على القائلين بأن الحواريين كانوا أنبياء أُرسلوا إلى أناس بعد عيسى عليه الصلاة والسلام قال"وهو قول أكثر النصارى كما ذكرناه في كتاب (الإعلام ) " (31) الخامس: لما تعرض لتأويل النصارى للختان قال: وليس هذا بأول جهالاتهم ، فكم لهم منها وكم ؟ ويكفيك من ذلك أنهم زادوا على أنبيائهم في الفهم ، وغلطوهم فيما عملوا عليه ، وقضوا به من الحكم"ثم قال"وقد أسبغنا القول في هذا في كتاب (الإعلام ) " (32) .

وإذا أرجعنا البصر في هذه الإحالات الخمس نلحظ ما يلي:

1-في الأولى جاء الكتاب باسم"الإعلام بمعجزات النبي عليه الصلاة والسلام"، وفي الثانية باسم"الإعلام بصحة نبوة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام"وفي الثلاث الباقية اكتفى فقط بالكلمة الأولى من العنوان وهي"الإعلام".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت