فهرس الكتاب

الصفحة 25996 من 27345

2-موضوعات الإحالات الثلاث الأولى تتسق وموضوع كتاب الإعلام هذا الذي يشير إليه أبو العباس القرطبي بصفته أحد مؤلفاته ، فهي تمس - كما هو واضح - معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وإثبات صحة نبوته بالمعجزات أو بأوصافه في التوراة والإنجيل ، بينما الإحالتان الرابعة والخامسة يبعدان في موضوعيهما عن موضوعات الإحالات الثلاث الأولى ، فهما يختصان بالرد على النصارى ، وتبدوا الخامسة أكثر تعلقاً بموضوع الرد على النصارى. فهو - كما سبق- لما ذكر تأويلات النصارى المضلة ، وافتراءاتهم على أنبيائهم عقب بقوله"وقد أسبغنا القول في هذا في كتاب (الإعلام ) ". وبناء على هذا الاستنباط فيفترض أن يكون كتاب الإعلام هذا أكثر من واحد ، وبخاصة أن المؤلف ذكر اسمه بثلاث صيغ ، فيكون - مثلاً - واحد منها يختص بإثبات نبوته صلى الله عليه وسلم ،والثاني يعنى بالرد على النصارى . وإما أن يكون الكتاب واحداً، ولكن مؤلفه لم يلتزم بالعنوان .

3-إذا عدنا إلى الكتاب المنسوب إلى القرطبي المفسر وهو"الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام"ألفيناه يتضمن موضوعات كل الإحالات الخمس التي سردناها قبل قليل،ففيه أمثلة عن بركة الرسول صلىالله عليه وسلم (33) ،وفيه التأكيد على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي من كل نوع من أنواع معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله (34) ، وفيه أمثلة كثيرة من أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل (35) ، وفيه رد على القائلين بإرسال الحواريين إلى الناس بعد عيسى بصفتهم أنبياء (36) ، وفيه نقد لكثير من جهالات النصارى و ضلالاتهم (37) . فهل يعني ، الكتاب الذي يعزو إليه القرطبي أبو العباس ويسميه"الإعلام"هو كتاب"الإعلام"الذي نروم معرفة مؤلفه ، وبخاصة أن الكلمة الأولى من العنوان في الكتابين واحدة ؟

إننا لا نستطيع البت في الإجابة على هذا السؤال ، لأن كتاب"الإعلام"لأبي العباس القرطبي في حكم المفقود ، فهو غير موجود بين أيدينا ،ولا نملك نصوصاً منه ـ ولو محدودةـ لنجري مقارنة بينه وبين ما جاء في كتاب"الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام .."فلنتدبر إذن في أحوال أبي العباس القرطبي هذا ، ونقارنها بما كنا قد استخلصناه من صفات توفرت في مؤلف ذلك الكتاب لعلنا نصل إلى شيء فيما نحن بصدد التثبيت منه .

لقد ضنت المصادر علينا بأخبار عن حياة أبي العباس القرطبي في الأندلس ، فكل ما نعرفه أنه ولد في سنة 578هـ /1182م في قرطبة ، وسمع فيها الكثير (38) . على أن ثمة خبراً ذكره أبو العباس عن نفسه يلقي ضوءاً على أحد الجوانب التي تهمنا معرفتها من حياته ، وفيما يلي سوف نسوق بعض هذا الخبر بالنص وبعضه الآخر بالمعنى . قال أبو العباس (39) "أني لما وصلت إلى تونس قاصداً الحج سمعت أخباراً سيئة عن البلاد المصرية من جهة العدو الذي غلب على دمياط ، فعزمت على المقام بتونس إلى أن ينجلي أمر العدو: ثم ذكر أنه رأى في المنام وكأنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه يسلم عليه ، وعندئذ زال عنه الخوف وتجدد عزمه على قصد الحجاز ، ثم قال:"وسافرت إلى أن وصلت الإسكندرية عن مدة مقدارها ثلاثون يوماً .. فوجدتها والديار المصرية على أشد خوف ، وأعظم كرب ، والعدو قد استفحل أمره ، وعظمت شوكته ،فلم أُكمل في الإسكندرية عشرة أيام حتى كسر الله العدو..." (40) ، ثم ختم كلامه بقوله"ثم إن الله تعالى كمل علي إحسانه وإنعامه وأوصلني بعد حج بيته إلى قبر نبيه (41) ومسجده ، فرأيته و الله في اليقظة على النحو الذي رأيته في المنام من غير زياد ولا نقصان" (42) ."

يفهم من خاتمة كلام أبي العباس القرطبي أنه لم يسبق له القدوم إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هذه المرة ، وبالتالي أنه لم يسبق له حج بيت الله الحرام قبلها أيضاً ، وإذا كان قد نص على أن وصوله إلى تونس كان بقصد الحج ، فإن هذا يُلهم أنه قدم من بلده الأندلس سواء كان مباشرة أو بعد مرور بالمدن المغربية الواقعة إلى الغرب من تونس ، فكان خروجه هذا من الأندلس لأول مرة . فالأندلسيون و المغاربة كان أول شيء يحرصون على المبادرة فيه إذا خرجوا إلى المشرق هو التوجه إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحج وزيارة المسجد النبوي (43) . وإذا علمنا كذلك أن حادثة دخول العدو النصراني ( الصليبيين ) دمياط التي أشار إليها أبو العباس قد وقعت في سنة 647 هـ /1249م (44) . وأن كسر المسلمين له حدث في محرم سنة 648هـ / 1250م (45) فمعنى ذلك أن خروج أبي العباس القرطبي من الأندلس لأول مرة ووصوله إلى تونس كان في سنة 647هـ 1249م أي بعد أزيد من عشر سنوات على سقوط قرطبة الحادث في سنة 633هـ / 1236م (46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت