فهرس الكتاب

الصفحة 2603 من 27345

5. (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون) [النحل: 68] .

6. (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) [النمل: 18] .

ولنبدأ بقول الكاتب الفرنسي موريس بكاي (30) عن الحشرات:

"إن الحشرات من الأحياء التي لم يحدث لها أي تطور منذ ظهورها على الأرض أوليس هذا أمر عجيب! لقد توقفت عند ذكر الله سبحانه وتعالى للحشرات.. البعوض والجراد والقمل والعنكبوت والنحل والنمل والذباب حتى أن ثلاث سور من القرآن مسماة على أسماء حشرات.. وكان للإقرار السابق بأنّ الحشرات لم يلاحظ فيها أي تطور مدعاة للتفكر في هذه المخلوقات التي ذكرها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه مدللًا على مقدرته. وسنكتفي بالحديث عن الحشرات الاجتماعية.. النمل والنحل، فقد جاء في تفسير ابن كثير (31) في تفسير قوله تعالى: (حتى آتوا على وادي النمل...) أي حتى إذا مر سليمان - عليه السلام - بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، قالت، نملة يا أيها النمل... اي خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم، ففهم ذلك سليمان منها..."

وقد روى ابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان - عليه السلام - يستسقى فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى لنا عن سقياك وإلا تسقنا تهلكنا.. فقال سليمان ارجعوا فقد سُقِيتُم بدعوة غيركم"."

وقال صاحب الظلال (32) :"قالت نملة لها صفة الإشراف والتنظيم على النمل السارح في الوادي - ومملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم تتنوع فيها الوظائف وتؤدي كلها بنظام عجيب يعجز البشر غالبًا عن اتباع مثله على ما أوتوا من عقل راق وإدراك عال - قالت هذه النملة للنمل بالوسيلة التي تتفاهم بها أمة النمل وباللغة المتعارفة بينها قالت للنمل: ادخلوا مساكنكم كي لا يحطمكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم... ونقف هنا أمام خارقتين لا خارقة واحدة خارقة إدارك سليمان لتحذير النملة لقومها، وخارقة إدارك النملة أن هذا سليمان وجنوده، فأما الأولى فهي مما علمه الله لسليمان وسليمان إنسان ونبي، فالأمر بالقياس إليه أقرب من الخارقة الأخرى البادية في مقالة النملة، فقد تدرك النملة أن هؤلاء خلق أكبر، وأنهم يحطمون النمل إذا داسوه وقد يهرب النمل من الخطر بحكم ما أودع الله فيه من القوى الحافظة للحياة، أما أن تدرك النملة أن هذه الشخوص هي سليمان وجنوده فهي تلك الخارقة التي تخرج على المألوف وتحسب في عداد الخوارق في مثل هذه الحال."

والمتدبر لهذه الآية يرى بأن الله - سبحانه وتعالى - قد أخبرنا بأن النمل أمة مثلنا تؤمن بالله وتعرف الرسل، وأن النمل يعيش حياة اجتماعية، أي يعيش معيشة تكافلية توزع فيها المهام فمنها الملكة ومنها الشغالات والذكور وبعض النمل يخزن غذاءه وزرعه، وبعضها يرعى في ذلك الموكب الرهيب والجيوش الجرارة المتحركة.. اختار لنا الله - سبحانه وتعالى - حديث نملة لا يعنينا أمرها ولا يهمنا إن تحطمت مساكنها، ولكن يهم المولى عز وجل أن يظهرها لنا في هذا الموقف ككائن له كينونته المقدرة وله حياته ومخاوفه.. ليلفت نظرنا إلى أممه الأخرى.. ولكن تصديق هذا الأمر يستدعى الإيمان بالله عز وجل.. وذكر المولى عز وجل هذه الحشرة لأمر يستدعى التفكر .. فإنها حشرة لم يعرف عنها أي تطور وتعيش حياة اجتماعية تماثل حياة أرقى الأحياء.. فكيف ظهرت للوجود.. وكيف يعقل بأن تكون أكثر رقيًا في نظامها من كل الحيوانات.. بل كل هذا من الحق.. المولى عز وجل؛ فأمر هذه النملة في الدعوة لله مثل جيش سليمان السائر ليقاتل من أجل إعلاء كلمة الله .

والنحل لا يختلف عن النمل فهي حشرات اجتماعية.. وفي تفسير ابن كثير (33) عن الآية؛ (وأوحى ربك إلى النحل ...) المراد بالوحي هنا الإلهام والهداية والإرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا تأوي إليها ومن الشجر ومما يعرشون، ثم أذن الله تعالى لها إذنًا قدريًا تسخيريًا أن تأكل من كل الثمرات وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها أي سهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة والأودية والجبال الشاهقة ثم تعود كل واحدة منها إلى خليتها فتبني الشمع من أجنحتها وتتقيأ العسل من فيها ثم تعاود نشاطها إلى ما شاء الله.

والنحل يعيش في مجموعات اجتماعية قد يصل عددها في الخلية الواحدة إلى (80.000) من النحل والعمل تقوم به إناث النحل واستمرار الخلية يعتمد على استمرار الملكة.. وتقوم الشغالات بالدفاع عن الخلية.. أي كأنها دولة قائمة بذاتها، أمر لا يمكن أن يعقل بأنه نتاج تطور.. كيف علمت النحلة الأولى بأنها ستجد من يرافقها في رحلة حياتها وينتظم معها في كل هذا التنظيم؟ لابد لهذا من مدبر (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت