فهرس الكتاب

الصفحة 26033 من 27345

وذلك أمر نجحت فيه - كما يرى عدد من المحللين والمراقبين - أمريكا بشكل جزئيّ ، يكاد لايسمن ولايغني من جوع ؛ لكنها تنوي مواصلة هذه الحرب الفكرية الشاملة ، مُتَوَقِّعَةً تحقيق انتصارات باهرة في المستقبل ، مُعْتَقِدَةً أنّ الأمة الإسلامية العربيّة صعبٌ تجريدُها من ثقافتها وتقاليدها بالسهولة وفي الوقت القليل ؛ بل يحتاج ذلك إلى اعتماد الصبر وإنفاق قدر مطلوب من الوقت ، حتى تتحقق النتائج على المستوى المرجوّ.

أنشأت أمريكا بنفقات باهظة محطات إذاعية وتلفزيونية تبثّ كل آن السمومَ ، وتدمِّر الأخلاق والقيم الإسلامية العربية ، وتهيئ ذهن الشباب للرضوخ لإملاءات أمريكا وإسرائيل ، وللارتياح للتخلّي عن الحقوق العربية التي صمدت من أجل استعادتها الأجيالُ الغيورةُ على دينها وعقيدتها ؛ حيث ترى - أمريكا - أن صورتها تشوّهت في ذهن الإنسان العربي من سوء فهمه وخطأ تفكيره نحونا نحن المتنوّرين المتحضرين . ولم تدرِ - أمريكا - جوهرَ الحقيقة: أن كراهية العرب والمسلمين لها لاترجع إلى سوء الفهم ، وإنما ترجع أولاً وأخيرًا إلى تعاملها معهم بالظلم واللاعدل والكيل بغير الذي تكيل به لإسرائيل ولغيرهم من أبناء الديانات الأخرى التي تتفاهم معها في توزيع"المنافع والأرباح"وتقاسم"الحقوق والواجبات"ولكن الإسلام الواثق بنفسه ، الشامخ مستقلاًّ لايرضى بهذا التفاهم معها بشكل أو بآخر ؛ من هنا ترى هي - أمريكا - وغيرها من ذوات الديانات الباطلة أن الإسلام هو العدو اللدود المارد الذي يبدو لا يُقْهَر ولا يُغَالَب ، ولا يقبل تراجعًا ولاتفاوضًا ، ولايعرف بشأن التنازل عن أي من حقوقه إلاّ اللاءات المتصلةَ التي لاتكاد تعرف النهاية ؛ ولكنها - أمريكا - بدلاً من أن تتلقى الدرس الإيجابي ، وتصحِّح سمعتها لدى المسلمين والعرب ، بالرجوع إلى تبنّي العدل ، والتخلّى عن إعمال لغة القوة والاحتلال ، والضرب والحرب ، ودوس القيم الإسلامية ، إلى إعمال لغة التفاهم والتسالم ، والاحترام المتبادل ، تصرّ على التمسّك باستخدام القوة ، وممارسة الظلم ، واحتلال الأراضي الإسلامية ، وإذلال الإنسان المسلم ، واغتصاب الحرمات العربية والإسلامية . وفي الوقت نفسه تتساءل متجاهلةً: لماذا تكرهنا المجتمعات الإسلامية ، ويثور ضدنا الشباب العربي المسلم ، ويكاد ينقضّ علينا في طول الدنيا وعرضها . وتتوصّل في حساب خاطئ تمامًا أن السبب في سخطه عليها وثورته ضدها إنما هو سوء الفهم وخطأ التقدير، فلابدّ من تصحيح الصورة وتبييض السمعة ، بتسخير وسائل الإعلام، وإنشاء المحطات الإذاعيّة والتلفزيونية التي تسهر على بث البرامج المخلة بالأخلاق والقيم ، التي هي صورة عن حضارتها المتقدمة والتي هي قادرة على النحت من الإنسان الشرقي الخام البدوي إنسانًا متحضًرا مثل الإنسان الغربي الأمريكي !!.

* - زرع نظام ديموقراطيّ غربي أمريكي في العراق ، يُمَثِّل مثلاً أعلى لأسلوب الحكم وممارسة السلطة ، وستتحلّب له أفواه الشعوب المجاورة إعجابًا وتقديرًا ، وستتطلع إليه مُتَلَمِّظَةً له شفاهُها ، وستسعى للتوصّل إلى مثله في بلادها، طالبةً لتحقيقه العونَ والتدخّلَ منّا نحن الأمريكان الذين هم مُطَالَبُون من قبل الربّ - كما يتفوّه بذلك من حين لآخر بوش الابن - بإقامة الديموقراطية الغربية الأمريكية في كل دولة تتسمّى بإسلامية أو عربية !.

وذلك ما فشلت فيه أمريكا فشلاً ذريعًا ؛ فرغم إقامتها هيكلاً منهارًا مهزوزًا منذ البداية من الحكم الذي يتولاّه عملاؤها من الشيعة وأذيالهم من السنّة الذين باعوا دينهم وعرضهم بثمن بخس دراهم معدودة ؛ حيث توصّلوا إلى كراسيهم المكسورة القوائم ، بدلالتهم على أمكنة تواجد رموز المقاومة الباسلة الذين أكّدوا لأمريكا أن الشعب العراقي قوة لاتُقْهَر بالنار والحديد؛ لأنه يعرف من أين تؤكل الكتف ، ويعرف الحرب والضرب منذ التأريخ القديم ، وأكثر من ذلك يعرف معنى الصمود والمواجهة والثبات ، مهما اشتدت الأحوال وتفاقمت الأهوال .. رغم ذلك صار العراق اليوم تحت الاحتلال الأمريكي صورة بشعة غير مسبوقة للخراب والدمار واللا استقرار ، والقتل والفتك ، والنهب والسلب ، والاغتصاب وهتك الحرمات، والاغتيال والتفجير ، والجوع والعطش ،وفقدان وسائل الحياة بأنواعها ، وممارسة الظلم والوحشية التي تقوم بها القوات الأمريكية البريطانية المحتلة التي جاءت تنشر العدل ، وتروّج الفضل ، وتقيم الديموقراطية ، التي عاد الشعب العراقي - والشعوب العربية المسلمة كلها التي شاهدت نتائجها المرة في العراق - يخاف شبحها مخافة الأطفال للسعالي والأغوال ، وبدأ يقول ويعتقد أن حجيم النظام الصدّامي الاستبدادي - الذي شنّعت عليه أمريكا كثيرًا وشَهَّرت به طويلاً مُوْجِدَةً مبررًا غَير شرعيّ لغزوه للعراق - كان أنعم بكثير من جنّة الديموقراطية الأمريكية التي هذه بداياتُها فكيف بنهايتها ؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت