والذعر النفسي الدافع للهروب من الخدمة لم يَتَفَشَّ بين الجنود الأمريكان وحدهم ، بل أخذ بتلابيب الجنود البريطانيين أيضًا ؛ فقد أكدت هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية فرار أكثر من ألف عسكري بريطاني منذ بدء الحرب على العراق . ومن بينهم 377 جنديًّا فروا من الخدمة خلال عام 2005م ومازالوا متغيبين بينما تغيب منذ مطلع 2006م حتى الآن 189 جنديًّا . وقتل من الجيش البريطاني منذ بدء الحرب 111 جنديًّا من أصل 7200 جندي منشورين في العراق يَتَمَرْكَزُون أصلاً في البصرة .
أمّا الخسائر في المُعَدَّات الحربية ، فقد بلغت حدًّا هائلاً . فقدت (60) طائرة هيلوكوبتر من أنواع مختلفة ، إلى جانب عدد غير قليل من طائرات استطلاع أسقطتها المقاومة العراقية . وأكثر من (1000) آليّة بأنواعها ، وعربات مصفحة ، وسيارات شحن ، وغيرها دمّرتها المقاومة العراقية . وهذا ما اعترفت به"البنتاغون"أما التقارير غير الرسميّة ، فإنّها تشير إلى عدد أكبر من هذا العدد في كل نوع من أنواع المعدات والأسلحة .
هذا إلى جانب ما فقدته أمريكا من ذهاب ريحها ،وضياع اعتبارها ، وماء وجهها - إن كان في وجهها ماء - حيث أثار ما مارسته قواتها من الإذلال والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية مع السجناء العراقيين في سجون أبي غريب والسجون السريّة خارج الولايات المتحدة و"جوانتانامو"استياءً عالميًّا ضد أمريكا واستياءً لدى القطاع العريض من الأمريكيين ذوي الضمائر الحيّة . وهو أمر جعل سجل الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان سجلاًّ منافسًا لسجلات أسوأ الدكتاتوريّات في العالم ، حتى ما وَسِعَ الرئيسَ الأمريكي السابق"جيمي كارتر"إلاّ أن فضح هذه التجاوزات الأمريكية في مقال بعنوان"ليست هذه أمريكا التي أعرفها".
وها هي ذه استطلاعات الرأي العام في أمريكا تشير باستمرار إلى تدهور شعبية"بوش"الابن وحزبه . حتى عادت بعض الصحف والمجلات الأمريكية والبريطانية تتساءل: هل بدأت أمريكا"مرحلة الأفول"كقوة عظمى . وتقول مجلة"الإيكونوميست"في مقال تحت عنوان"محور الضعفاء": إن الإخفاق في العراق والمشاكل الداخلية في أمريكا وبريطانيا حوّلت بوش وتوني بلير من صقرين محلِّقَين إلى بطتين عرجاوين . وتراجعت شعبية بوش إلى 31? بينما كانت لدى احتلال بغداد 80? ويقول المحللون: إن مفهوم"القوة التي لاتُقْهَرُ"لم يعد قائمًا ، وإن أمريكا تشعر بحق اليوم أن العالم أصبح حروناً ولم يعد يستجيب لرغباتها ، وأن قدرتها على تشكيل العالم حسب هواها مجرد وهم.
على كل فأمريكا اليوم بعد كل هذه الخسائر التي لحقتها - وما سيلحقها منها لن يقل عنها - لم تحقق أمنًا لنفسها فضلاً عن غيرها . إنّها جعلت العالم كلَّه محورًا للأخطار ومجالاً للصراعات ، ومكانًا للمخاوف التي لايدري مداها إلاّ الله ، و وَرَّطَت العالم على الرغم منه في معركة كانت هي وهو في غنى عنها ؛ ولكنها تلاعبت بالتهويل ، ولَوَّحَت بالتخويف ، وكبّرت الأخطار الوهميّة ، وخلقت المبررات لخوض حرب ضدّ عدوّ غير مرئي ، ولتحقيق هدف غير واضح، وبوسائل جهنميّة، ونفقات باهظة كَلَّفت الخزانة الحكومية وجيوبَ الشعب الأمريكيّ الكثيرَ الكثيرَ الذي لو وُفِّر لساعدها على تحقيق تقدّم أكثر ، وإنجازِ خير أكبر، وتوفير أمن أوسع ، وصناعة رخاء أشمل ، وكسب صداقة أمتن مع العالمين الإسلامي والعربيّ ، وإيجاد فرص أكثر لإقامة علاقات أوثق تجاريّة واقتصاديّة مع الدول المالكة لموارد النفط والثروات الطبيعيّة ، ولتحويل معظم أعدائها أصدقاء ، في إطار الأهداف المشتركة ، والقضايا الثنائيّة .
إنّ أمريكا وعملاءها في العراق من المعتلين كراسيَّ الحكم المتكسرة منذ اليوم الأول والمنتمين إلى قطاع الشيعة يرقصون اليوم بمقتل أبي مصعب الزرقاوي يوم 7/ يونيو 2006م (الأربعاء: 10/ جمادى الأولى 1427هـ) كأنهم حقّقوا الانتصار النهائي ، وصَفَّوْا المقاومة، واستأصلوا كل جذر من جذور المعارضة ، وكسبوا العراق كلَّه لصالحهم . مثلما رقصوا لدى سقوط بغداد ؛ حيث بالوا على تمثال صدام حسين وعلّقواعليه الأحذيةَ ، وكأنهم دخلوا الجنّةَ ونعموا بنعيمها ؛ ولكن سرعان ما اكتشفوا أنهم استسمنوا ذا ورم ، ونفخوا في غير ضرم ، وأنهم حسبوا السراب ماءً .
وكذلك في قضية الزرقاوي علموا عاجلاً أن المقاومة لم تضعف ، وأن الشعب العراقي الغيور لن يرضى بأقل من تحرير العراق كله وطرد الكلاب الأمريكية من دياره عن آخرها، وأن مصيبة أمريكا لا تنحصر في فرد أو جماعة وإنما المصيبة كامنة في الشعب العراقي جلّه إن لم تكن في كله ، فهل تبيده أمريكا بأسره ؟ شيء لاتقدر عليه بقوة الحديد والنار ، كما لم تقدر عليه أيُّ قوة غاشمة في التأريخ البشري .