فهرس الكتاب

الصفحة 26038 من 27345

هذه الخسائر وغيرها ، الماديّة والمعنوية ، الموقتة والدائمة ، هل كانت أمريكا تحتسبها كقوة متقدمة لا تخطو خطوة إلاّ عن تخطيط مسبق ، أم كانت لاتحتسبها ، وإنما كانت تحتسب أنها مقبلة على رحلة نزهة ؟ في كلتا الحالتين تُعَدُّ سفيهةً ولاتُعَدُّ حازمةً ؛ فهي كما قال الشاعر:

فَإِنْ كُنْتَ لاَتَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيْبَةٌ

وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيْبَةُ أَعْظَم

إنّ كثيرًا من المحللين والخبراء السياسيين يرون أنّ"بوش"كان جاهلاً بالأمر الواقع جهلاً مطبقًا ، وأنّه كان لايعرف حقيقةَ الحال فيما يتعلق بتفجيرات 11/9/2001م ، وأنه كان يجزم بأن القاعدة هي التي نفّذتها وأن اليهود لايد لهم فيها ، وأنه دُفِعَ إلى الحرب في أفغانستان والعراق دفعًا من قبل اليهود ، وأن اللوبي الصهيوني في الإدارة الأمريكية هو الذي دفعه بقوة واستماتة في اتجاه الحرب . وقائلُ ذلك المفكر الأمريكي"مايكل كولينز بايبر"وهذا الرأي هو الذي أيّده عدد من المفكرين وأساتذة التأريخ في أمريكا ؛ فيقول البروفيسور"شرويدر"أستاذ التأريخ بجامعة إلينوي:"بالتأكيد تم دفع خطة غزو العراق بقوة على أيدي عدد من ذوي النفوذ المؤيدين لإسرائيل من شاكلة الصقور الجدد داخل الإدارة وخارجها"وبنفس الكلمات أيّد الرأي كل من"ريتشارد بيرل"و"بول وولفويتز"و"وليم كريستول"وآخرون . وأيّدت الرأيَ دراسةٌ جماعية مشتركة موثقة أصدرها خبيران أكاديميان بارزان في جامعتي"هارفارد"و"شيكاغو"فقالت:"إن أمريكيين موالين لإسرائيل هم الذين وَرَّطُوا أمريكا في مستنقع العراق ... إن سياسة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط ، تخدم إسرائيل ولاتخدم المصالح الأمريكية لاعلى المدى القريب ولا على المدى البعيد". (رسالة الإخوان ، العدد 464: الجمعة 12/5/1427هـ = 9/6/2006م) .

وعندما يؤيّد كاتبُ هذه السطور الرأيَ بأن اليهود كانت لهم يد في تهيئة أمريكا وبالذات بوش وزمرته المجرمة في إدارته لشنّ الحرب على العراق ، فإني لا أؤيّد أن بوش كان جاهلاً بحقيقة الأمر؛ لأني أعلم في ضوء الوثائق والمستندات أنّ بوش بدوره ممن يُصَنَّفُون ضمن"اللوبي الصهيوني"رغم أنه معروف بأنّه مسيحيّ ؛ حيث أكدت المصادر أن بوش يؤمن بأن قيام دولة إسرائيل الكبرى هو الذي يُعَجِّل نشأة المسيح عليه السلام الثانية وقيامه بدوره الجديد نحو مسؤولياته النبويّة ، مما يمهد السبيل لسيادة المسيحيين في العالم وتغلّبهم ووصايتهم على الأمم ؛ فأعتقد جازمًا أنه كان على علم بتفجيرات 9/11/2001م وإن لم يكن على علم بها ، فإنّه علم بها فيما بعد عاجلاً ؛ ولكنه لم يتخذ إجراءً جديًّا لمؤاخذة اللوبي اليهودي ، ثم إنه ظلّ يذعن لتوجيهاته اللاحقة فيما يتعلق بكل الحماقات أو الويلات التي مارسها ضدّ الإسلام والمسلمين . كما أني أعتقد جازمًا أن شن الحرب ضد كل من أفغانستان والعراق كان ضمن مخطط بوش من ذي قبل التفجيرات ؛ ولكنها - تفجيرات 9/11/ - استعجلته شنَّ الحرب ، وربّما كانت لتتأخر قليلاً أو كثيرًا إذا لم تقع . على أنّ بوش كان بدوره مُتَعَجِّلاً بشأن ضرب العراق والإطاحة بصدام حسين ؛ لأنّه كان مُتَطَلِّعًا للغاية إلى تصفية الحساب وأخذ الثأر من صدام وعائلته كلها ؛ لأنها كانت قد حاولت اغتيال والده (جورج بوش الأب) أثناء زيارته للعراق ؛ ولأن صدام حسين جعل من صوره - بوش الأب - مماسح أحذية في مداخل عدد من الفنادق والمباني الحكومية الرئيسة شفاءً لأذاه النفسي الذي ناله منه عندما ألّب العالم ضدّه وأرغمه على الخروج من الكويت التي كان قد احتلّها وأصرّ على ضمها إلى العراق كمحافظة من محافظاته .

فكلُّ الخسائر التي تلحق أمريكا لاتهمّه - بوش - فضلاً عن أن تهمه الخسائر الكثيرة الفظيعة التي يذوقها المسلمون والعرب في الأرواح والممتلكات والمعدات ، والحرث والنسل، والحضارة والتأريخ ، وموارد الرزق ، ووسائل الحياة . أَضِفْ إلى ذلك ماقاله بوش إثر التفجيرات من أنه رائح إلى خوض"حرب صليبية". أي حرب تمهد لقيام إسرائيل الكبرى فقيام دولة المسيحيين التي يرعاها السيد المسيح عليه السلام. وذلك لا يتأتى كما يعتقد وكما تعتقد اليهود إلاّ بتدمير العرب والمسلمين والدول التي تضمّهم في المناطق المتلاصقة وتؤيدهم في المناطق المتباعدة ، وابتلاع الأراضي الإسلامية العربية ، وإقامة دولة إسرائيل العظمى من النيل إلى الفرات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت