فهرس الكتاب

الصفحة 26362 من 27345

فكانت تأمر بالمعروف وتقيم شعائره وتحمل الناس عليه بالترغيب والترهيب ، وتنهى عن المنكر وتغيره وتدفع الناس عليه بالترغيب والترهيب والقول ، ولو لم يتغير إلا بالقتال- في بعض الصور - سلكت سبيل القتال ، كقتال أهل الردة والبغي وأهل الحرابة والطائفة الممتنعة عن بعض شعائر الإسلام كما لو تواطأت طائفة على الامتناع عن أداء الزكاة أو الآذان وغير ذلك مما هو مذكور في مواضعه من كتب الفقه.

وكذلك تحمل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الى خارج حدودها وهو الجهاد , جهاد الطلب , فتحمل الناس في الأرض على الخضوع للدين الحق كما قال تعالى ( وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) .

ويدخل تحت هذا كله إرسال الدعاة ونصب القضاة والأئمة للفتيا , وإقامة الحدود وتجنيد الجنود , وما يلزم لذلك من الوسائل والتراتيب الإدارية وغيرها.

معني وسائل الدعوة:

ويتبين مما تقدم أن وسائل الدعوة هي كل الطرق والأسباب التي من شأنها أن تجعل الدعوة الإسلامية ، واقعا متحققا في الحياة سواء كانت أسبابا شرعية أمر الله بها أو ندب إليها في الكتاب والسنة ، و كونية دل الشرع على إباحتها وجعلها الله كونا وقدرا تقتضي مسبباتها التي تكون في هذه الحال هدفا من أهداف الدعوة.

وهي بهذا الاعتبار تكون شرعية أيضا من جهة أن الشريعة دلت على إباحتها ، ودلت نصوصها العامة على شرعية استعمالها في تحقيق مقاصد الشريعة .

وسائل الدعوة يصعب حصرها:

وبهذا يتبين أن وسائل الدعوة ، بالمفهوم الشامل الذي بيناه ، والذي دلت عليه النصوص الشرعية ، يصعب دخولها تحت الحصر ، فإن الأسباب والطرق التي يتوصل بها الى تمثل المعروف في الحياة وزوال المنكر بقدر الاستطاعة كثيرة جدا ومتغيرة جدا ، فإن الله تعالى قد أجرى سننه الكونية على تغير كثير من الأسباب بتغير الزمان والمكان ، فقد يكون من الأسباب ما يقتضي حصول مسببات لم يكن يمكن حصولها في أزمان مضت , بل إن منها ما لم يسبق زمن بحصولها قط , مثل ما يستعمل الآن من السلاح في الحروب فإنه يحصل به من تحقيق أهداف الحرب ما لم يمكن في الماضي ، منه ما يقضي على الأمة العظيمة من الجند بلحظة واحدة ، ومعلوم أن هذا لم يكن قط ليتحقق في الأسباب العادية الطبيعية في جميع العصور السابقة منذ بدأت الحروب بين البشر.

وسائل تحسين الجيوش الإسلامية من وسائل الدعوة:

وكذلك وسائل تحسين الجيوش وإدارتها وتقسيم الجند والقادة وما يلزم في ذلك من التراتيب الإدارية وأنظمة الجزاء والتعزير والعقوبات العسكرية وغيرها ، ما هو كثير يصعب حصره وخاضع للتغير والتطوير المستمر.

ومعلوم أن ذلك كله من وسائل الدعوة ، ما يحتاج إليه المسلمون من الأسباب والطرق التي تقتضيها ظروف العصر لتحصيل العلوم الشرعية وتمكين حملتها من ممارسة دورهم في المجتمعات وإدخالهم في مؤسسات الدولة ليتمكنوا من خلالها من إيصال الدعوة الإسلامية .

مثل إنشاء الكليات الجامعية ، وإدارتها بأساليب الإدارة الحديثة التي يكون غالبها مما أحدثه غير المسلمين ، ومنحهم الشهادات على النظام التي تعترف به الدولة وقد يكون من الأنظمة المستوردة من غير بلاد المسلمين.

ولهذا رأي من رأى من العلماء جواز استعمال نظام منح الشهادات العليا في العلوم الذي يستعملها غير المسلمين ،ولا تعترف غالب الدول الإسلامية إلا به ، استعماله نفسه في علوم الشريعة ، مثل ما يسمي (الماجستير والدكتوراه) بنفس الترتيب الإداري الذي أحدثه أولئك ، ليتمكن حملة العلوم الشرعية بواسطته من تبوء المراكز العلمية التي تخولهم لإحداث التغير الذي ينشدون في مجتمعاتهم.

بل إن منهم من يدرس في البلاد النصرانية ويحصل على الشهادات العليا الشرعية من هناك ، وإنما يمنحه إياها جامعات تتبع دول النصارى ويكون ذلك عنده من الوسائل المباحة التي بها يتوصل الى دعوة الناس الى دين الإسلام وسائل تنظيم الإدارات في الدولة .

ويدخل تحت وسائل الدعوة - إذا اعتبرنا الدولة الإسلامية ما هي إلا المؤسسة العليا المنوط بها القيام بالدعوة الإسلامية - كل ما تحتاجه الدولة من وسائل معنوية ومادية وإدارية ، حتى أساليب الإدارة الحديثة التي تدرس اليوم في كليات متخصصة وينال الدارسون فيها شهادات إدارية ، وكذا ما تحتاجه الدولة من ذلك لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونظام العقوبات الشرعية وترتيب إدارات القضاء والفتيا وتقسيم العاملين في ذلك كله وفق أنظمة العمل المعمول بها في العالم ، إذا لم يخالف شيء من ذلك الشريعة المطهرة.

ومعلوم أن هذا لا بد منه للدولة في العصر الحديث حتى لو كانت تدين بتحكيم الشريعة في كل شئون الدولة .

وأن هذه كله مما يصح دخوله تحت اسم الوسائل وأن ما يتحقق به هو نفسه أهداف الدعوة الإسلامية إذا كان ذلك ضمن عمل الدولة الإسلامية

وسائل الدعوة في عمل الجماعات الإسلامية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت