ولا خروج للمسلمين من هذا الواقع الأليم إلا بالعلم والعمل: فالعلم الذي لا يتبعه عمل لا يغير من الواقع شيئًا، والعمل على غير علم وبصيرة يُفسد أكثر مما يُصلح . ولا أقصد بالعلم العلم ببعض القضايا الفقهية الفرعية، ولا ببعض الآداب ومحاسن العادات، كما يحرص كثير من الناس على مثل هذه الأمور، ويضعونها في مرتبة أكبر من مرتبتها في ميزان الإسلام، ولكني أقصد بالعلم: العلم الذي يورث إيمانًا صحيحًا صادقًا في القلب، مؤثرًا حب الله ورسوله ودينه على كل ما سوى ذلك، وباعثًا على العمل لدين الله، والتمكين له في الأرض وإن كلفه ذلك ما كلفه من بذل النفس والنفيس، ولن يتأتى ذلك إلا بالعلم الصحيح بحقيقة دين الإسلام، واليقين الكامل التام الشامل بحقيقة التوحيد أساس البنيان في دين الإسلام.
ثم لابد مع ذلك من العلم بالمخاطر التي تتهدد الأمة الإسلامية، والأعداء الذين يتربصون بها والدعوات الباطلة والهدامة التي يُروَّج لها، وما يتبع ذلك من تحقيق البراءة من أعداء الدين، وتحقيق الولاية للمؤمنين الصادقين .
وإذا كان من الواجب على المسلمين طلب العلم، والدأب في تحصيله، وسؤال أهل الذكر؛ ليكون المرء على بصيرة كاملة ووعي صحيح، فإن من الواجب على أصحاب القلم - من الكُتَّاب والناشرين - العمل على الإكثار من نشر الكتاب الإسلامي الذي يربط المسلمين بالإسلام كله، والذي يُعطي كل شرعة من شرائع الإسلام، وكل حكم من أحكامه قدره ومنزلته في ميزان الإسلام، بحيث لا يزيد به عن قدره، ولا ينزل به عن مرتبته، ولا يضخم جانبًا على حساب جوانب أخرى متعددة، وفي هذا الصدد فإن الكُتَّاب والناشرين مدعُوُّون بقوة إلى الالتزام بذلك، وخاصة في تلك الظروف العصيبة الحرجة التي تمر بها الأمة الإسلامية، فلا يليق بهم ولا ينبغي لهم أن يُجَاروا رغبات العوام وغيرهم في الإكثار والتركيز على جانب معين من جوانب الدين مع إهمال جوانب أخرى هي في ميزان الإسلام أجلّ قدرًا وأخطر شأنًا .
ونحن في هذا الصدد لا نريد أن نقع فيما وقع فيه غيرنا فندعو إلى إهمال الجانب الأقل في ميزان الإسلام لحساب الجانب الأكبر، ولكنا ندعو إلى التوازن بحيث تكون الكتابات في الجوانب المختلفة متوازنة مع مرتبتها وثقلها في ميزان الإسلام، فلا يُقبل أن تكون المكتبة الإسلامية مملوءة بالكتابات المختلفة المتنوعة عن الجن، والسحر، والشعوذة، والورع، والزهد، والأذكار، وفضائل الأعمال، وفروع الفروع الفقهية، وأشباه ذلك، بينما نجد المكتبة تكاد تكون خاوية من الكتاب الميسر الصالح للتناول لتناول العام في مجالات بالغة الأهمية، مثل:
أحكام الفقه السياسي في الإسلام: أو بالتعبير القديم:'الأحكام السلطانية' .
ومناقشة النحل الكثيرة التي بدأت تنتشر في عالم المسلمين: كالعلمانية، والديمقراطية، والقومية، والاشتراكية، والأحزاب ذات العقائد الكفرية: كحزب البعث، والأحزاب القومية، وغير ذلك .
والكتابات التي تتحدث عن الجهاد، لا أقصد الجهاد بمعنى فرضيته ودوامه إلى قيام الساعة، ولكن أقصد إلى جانب ذلك: الكلام عن جهاد المرتدين اليوم في عالم الحكام، وأصحاب السلطان الذين تبنوا المذاهب الاشتراكية، والعلمانية، والقومية، والديمقراطية، وغير ذلك، ودعوا إليها، وألزموا الناس بها .
والحديث عن كيفية العمل لإعادة الخلافة الضائعة.
إلى غير ذلك من المواضيع ذات الأهمية البالغة في حياة المسلمين، وإذا نظر الإنسان إلى ما كُتب في هذه المواضيع، وما كُتب في المواضيع الأخرى؛ لهاله التباين الشديد في هذا الأمر، وإذا نظر أيضًا إلى كمية المباع من ذاك ومن هذا؛ لهاله الأمر أكثر وأكثر .
قد يقول الكتاب والناشرون: إن الناس لديهم عزوف عن قراءة هذه المواضيع. لكن منذ متى كان لصاحب الرسالة التي يريد لها الذيوع والانتشار أن يطاوع الأهواء والرغبات، وإذا كان حقًّا ما يُقال عن هذا العزوف، فأنتم مشتركون بنصيب وافر في ذلك؛ لأنكم طاوعتموهم على ذلك، ولم تبصروهم بأهمية التوازن، وعدم تضخيم جانب، وإهمال جوانب أخرى؛ لأن هذا الأمر سيؤدي بالناس في النهاية إلى حصر الإسلام وتضييق نطاقه في إطار عبادة من العبادات، أو أدب من الآداب، أو عادة من العادات، بل قد انحصر الإسلام فعلاً عند كثير من الناس في أداء الصلاة، وصيام رمضان، وبعضهم انحصر الإسلام عنده في مجموعة من الأذكار، وبعضهم انحصر الإسلام عنده في حسن الخلق، وبعضهم انحصر الإسلام عنده في هيئة، أو زي، أو لباس، وبعضهم انحصر الإسلام عنده في العلم ببعض فروع الفقه، أو العلم ببعض قضايا مصطلح الحديث... وهكذا .