فهرس الكتاب

الصفحة 26430 من 27345

أولًا: الدعوة إلى غرس عقيدة التوحيد: والأسرة المسلمة هي المدرسة الأولى التي تقوم بتوجيه وتربية الأبناء تربية صالحة، فالأبناء أمانة في أعناقهم يسألون عنهم أمام الله، قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [6] } [سورة التحريم] .

فأول واجب يجب على الأبوين القيام به، والاهتمام بأمره دون كلل: هو غرس عقيدة التوحيد في نفس الطفل، وتوجيه عواطفه نحو حب الله ورسوله، وإخباره بأن الله يجب أن يكون أحب إليه من أمه وأبيه ونفسه، والإِيمان بالله الذي لا إله غيره، وبملائكته ورسله، وتوحيد الله في الألوهية، والربوبية، والقوامة، والسلطان، والحاكمية؛ لأن الإيمان بالله هو الموجه لسلوك الإنسان، والدافع له إلى اتجاه الخير، والنصير له، كما أنه الذي يصرفه عن طريق الشر، ويجعله متحلياً بالفضائل، وحسن الخلق.

والمقصود بالإيمان أي الإِيمان بما أوجب الله تعالى في قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ... [285] } [سورة البقرة] .

وأما السنة: فقد ذكرت أركان الإيمان مجتمعة في حديث جبريل عليه السلام- وهو مشهور-.

إن الإيمان بالله هو الموجه للسلوك والضابط له، والمتصل اتصالًا وثيقاً بالأعمال الصادرة من الإِنسان، فإن التربية الإِسلامية تربط دائمًا بين العمل والسلوك، ثم بين العمل الصادر من هذا الإيمان وبين الجزاء، قال تعالى: وَالْعَصْرِ [1] إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [2] إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [3] } [سورة العصر] .

وهناك آيات كثيرة تقرن الإيمان بالعمل، فالإيمان الحق هو الإيمان الذي يصدر عنه السلوك، وينبع منه العمل الصالح، ويخرج منه الخلق الكريم، فحسن الخلق، والإخاء والمودة، واجتناب الكبائر، والتمسك بالفضائل يجب أن تصدر عن هذه العقيدة.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: [لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ] رواه أحمد.

ويقول صلى الله عليه وسلم في سلوك المؤمن نحو جاره، ونحو نفسه: [ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ] رواه البخاري ومسلم.

كما يتحدث عن أثر الإيمان في تجنب الرذائل، وارتباط الإيمان بالسلوك ساعة فعل العمل: كما جاء في الحديث الشريف: [لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ] رواه البخاري ومسلم.

وكما ورد في الحديث الآخر: [لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ أَوْ قَالَ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ] رواه البخاري ومسلم-واللفظ له-.

فالعقيدة لابد أن تنعكس على الإنسان وسلوكه، فإذا آمن إيمانا يقينيًا بالله سبحانه وبعلمه ومراقبته الدائمة لعبده؛ كان هذا الإيمان محدداً لسلوك المسلم كفرد، وسلوك الجماعة كأمة مسلمة.

فالعقيدة لابد أن تترجم في حياة الفرد الذي يعلم بأن الله يطلع على سره ونجواه، وأن أفعاله مكتوبة وهو محاسب عليها، ولابد أن تترجم في حياة الجماعة، فتبني نظام حياتها وفق هذه العقيدة التي آمنت بها.

من كل ما سبق يتقرر أنه لا سعادة لهذه النفس الإِنسانية، ولا استقامة لها إلا إذا ارتبطت كافة جوانبها بعقيدة التوحيد، ومن هنا يجب على المربي المسلم أن يربط كل جوانب التربية بهذا الأصل الاعتقادي لما له من أهمية كبرى في حياة الإنسان النفسية، وتوحد نوازعه وتفكيره وأهدافه، وتجعل كل عواطفه وسلوكه وعاداته قوى متضافرة متعاونة ترمي كلها إلى تحقيق هدف واحد هو الخضوع لله وحده، والشعور بألوهيته وحاكميته، ورحمته وعلمه، لما في النفوس وقدرته، وسائر صفاته.

ثانيًا:بر الوالدين: إن عطف الآباء على الأبناء من أبرز صور الرحمة، وهو يفرض على الأبناء أن يقابلوا رحمة والديهم لهم بأن يرعوهم كباراً، فيخفضوا لهم جناح الذل من الرحمة، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة بهم.

إن عطف الوالدين على أولادهم عطاء لا يقدر بثمن ولا ينتظر منه العوض، إنه فطرة فطر الله الوالدين عليها، ولذلك كان برهما من أعظم الواجبات، وفي مقدمة الصلات الاجتماعية، كما كان عقوقهما من الكبائر المقاربة للشرك بالله، ولهذا ورد الأمر بالإحسان إليهما في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل عقب الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن الإشراك به:

فمن ذلك قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... [36] } [سورة النساء] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت