فهرس الكتاب

الصفحة 26431 من 27345

ففي الآية الكريمة يأمر الله تعالى بعبادته، وينهى عن الشرك به، ثم يتبعه الأمر بالإحسان للوالدين وبرهما لما لهما من الفضل على الابن منذ أن كان نطفة في رحم أمه حتى صار كبيراً يعتمد على نفسه.

ويعرض لقمان الحكيم في وصيته لابنه العلاقة بين الوالدين والأولاد في أسلوب رقيق، وفي صورة موحية بالعطف والرقة، ومع هذا فإن رابطة العقيدة مقدمة على تلك العلاقة الوثيقة؛ ولهذا كان شكر الوالدين بعد شكر الله؛ لأنه المنعم الأول.

ووصية الإنسان بوالديه تتمثل في: طاعتهما، وطاعة الوالدين لا تكون في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات..مما سبق يمكن القول أن علاقة الأبناء بالوالدين يجب أن تكون علاقة قوية مبنية على التقدير والاحترام؛ ذلك أن فضلهم على أبنائهم لا يدرك مداه، ولا يستطيع أحد أن يقدره. ومن هنا كان توصية الأبناء بآبائهم تتكرر في القرآن الكريم، والسنة المطهرة؛ لما في ذلك من حاجة لتذكيرهم بواجب الجيل الذي نفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف، ومما لاشك فيه أن الإنسان لا يفي والديه حقهما عليه مهما أحسن إليهما، لأنهما كانا يحسنان إليه حينما كان صغيراً وهما يتمنيان له كل خير، ويخشيان عليه من كل سوء، ويسألان الله له السلامة وطول العمر، ويهون عليهما من أجله كل بذل مهما عظم ويسهران على راحته دون أن يشعر بأي تضجر من مطالبه، ويحزنان عليه إذا آلمه أي شيء، أما الولد فإذا قام بما يجب عليه من الإحسان لوالديه، فإن مشاعره النفسية نحوهما لا تصل إلى مثل مشاعر أنفسهما التي كانت نحوه ولا تصل إلى مثل مشاعره هو نحو أولاده إلا في حالات نادرة جداً.

من البيان السابق للوصية الثانية- والتي تتعلق ببر الوالدين- يتقرر أن من أول الواجبات التي يجب على الطفل المسلم أن يتعلمها: الشكر للوالدين، ويكون هذا بعد الإِيمان بالله سبحانه وحده، والشكر له، ولهذا جعل لقمان شكر الوالدين بعد شكر الله عز وجل، والإيمان به اعترافاً بحقوقهما، ووفاء بمعروفهما.

ثالثًا: التربية على الإِيمان بقدرة الله عز وجل: قال تعالى: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [16] } [سورة لقمان] .

في الآية الكريمة يعلم لقمان ابنه مدى قدرة الله تعالى، حيث قيل: إن الحس لا يدرك للخردلة ثقلًا، إذ لا ترجح ميزانًا. أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن إتباع سبيل من أناب إليّ.

والآية الكريمة السابقة توجه الإنسان إلى قدرة الله الواسعة، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، فسبحانه لا شريك له. وهناك آيات بينات من كتاب الله تدل على سعة علم الله، وقدرته العظيمة، فمن ذلك قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [59] } [سورة الأنعام] .

وفي قوله تعالى: {حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَل} ، إشارة إلى دقة الحساب، وعدالة الميزان، ما يبلغه هذا التعبير المصور حبة من خردل، صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة {فَتَكُنْ فِي صَخْرَة} أي صلبة محشورة فيها لا تظهر، ولا يتوصل إليها {أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ...} في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة، أو ذرة تائهة {أَو ْفِي الأَرْض} ضائعة في ثراها وحصاها لا تبين {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} فعلمه يلاحقها وقدرته لا تفلتها [في ظلال القرآن 5/2789] .

ويراد من ذلك: الأعمال: المعاصي و الطاعات، أي إنْ تك الحسنة أو الخطيئة مثقال حبة؛ يأت بها الله، أي لا تفوت الإنسان المقدر وقوعها منه، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة التوجية والتخويف.

ويدرك الإنسان من معرفته لقدرة: مراقبة الله الدائمة له في كل تصرف، مراقبة الله له في الصغيرة والكبيرة، وفي الجهر والخفاء؛ ولذا فهو يراقب الله وهم يعمل... فلا يعمل شيئاً بغير إخلاص، لا يعمل شيئاً يقصد الشر... لا يعمل مستهتراً ولا مستهينًا بالعواقب، ولا يعمل شيئا لغير الله، فالله سبحانه وتعالى يحاسبه على النية بعد العمل، وعلى الإخلاص فيه. هذا والله لا يقبل أن يكون شيء من العمل لغير وجهه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت