فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَا شَيْءَ لَه] ُ فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَا شَيْءَ لَهُ] ثُمَّ قَالَ: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ] رواه النسائي.
وكذلك يراقبه وهو يفكر ويحس... فالله يعلم السر، وأخفى من السر الهاجسة في باطن النفس لم يطلع عليها أحد؛ لأنها مطمورة في الأعماق يراقبه فلا يحس بإحساس غير نظيف، يراقبه فينظف مشاعره أولًا بأول: لا يحسد ولا يحقد، ولا يكره للناس الخير، ولا يتمنى أن يحرمهما منه، ويستحوذ هو عليه، ولا يشتهى الشهوات الباطلة، والمتاع الدنس.
وحين توجد في القلب هذه الحساسية المرهفة تجاه الله، لتستقيم النفس، ويستقيم المجتمع، وتستقيم جميع الأمور، ويعيش المجتمع نظيفاً من الجريمة، نظيفاً من الدنس، نظيفاً من الأحقاد؛ لأنه لا يتعامل في الحقيقة بعضه مع بعض وإنما يتعامل أولا مع الله .
وبناء على ما سبق ذكره: ينبغي على الآباء والأمهات، وكذلك العاملين في مجال التربية والتعليم أن يغرسوا في قلوب أبنائهم وتلاميذهم مراقبة الله تعالى في أعمالهم وسائر أحوالهم، لتصبح هذه المراقبة الإلهية سلوكًا لازمًا لهم في كل تصرفاتهم، ويتم ذلك بترويض الولد على مراقبة الله وهو يعمل، فيتعلم الإخلاص لله في كل أقواله، وأعماله، وسائر تصرفاته، ويكون ممن شملهم القرآن بقوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ... [5] } [سورة البينة] .
وكذلك ترويضه على مراقبة الله وهو يفكر: ليتعلم الأفكار التي تقربه من خالقه العظيم، والتي بها ينفع نفسه، ومجتمعه، والناس أجمعين.
وأيضاً ترويضه على مراقبة الله وهو يحس: فيتعلم كل إحساس نظيف وليتربى على كل شعور طاهر.. وهذا النمط من التربية والمراقبة قد وجه إليه المربي الأول عليه الصلاة والسلام في إجابته السائل عن الإحسان: [أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ] رواه البخاري ومسلم.
وحينما ينهج المربون في تربية الأولاد هذا النهج، ويسير الآباء والأمهات في تأديب الأبناء على هذه القواعد؛ يستطيعون بإذن الله في فترة يسيرة من الزمن أن يكوّنوا جيلاً مسلمًا مؤمنًا بالله، معتزًا بدينه، مفتخرًا بتاريخه وأمجاده، ويستطيعون كذلك أن يكوّنوا مجتمعًا نظيفًا من الإلحاد والميوعة والحقد، ونظيفاً من الجريمة.
رابعًا: التوجه إلى الله تعالى بالصلاة، والتوجه إلى الناس بالدعوة إليه تعالى، والصبر في سبيل الدعوة ومتاعبها:
أ- الأمر بإقامة الصلاة: يقول لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ} . فرض الله على عباده عبادات لها أثرها في تهذيب سلوك الإنسان، وإصلاح القلوب ومن هذه العبادات: الصلاة، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام وعموده الذي لا يقوم إلا به، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وقد بلغ من عناية الإسلام بالصلاة أن أمر بالمحافظة عليها في الحضر والسفر، والأمن والخوف قال تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [238] فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [239] } [سورة البقرة] .
إن المتمعن بالعبادات التي فرضها الله عموماً، والصلاة خصوصاً؛ يدرك أثرها التربوي في إشراقة النفوس، وطمأنينة القلوب، وإصلاح الفرد والجماعة، ومن هذه الآثار التربوية ما يلي:
1-إقامة الصلاة دليل على صدق الإيمان، وعلى تقوى الله، وعلى ما يتمتع به صاحبها من بره بعهده، وقيامه على الحق، وإخلاصه لله، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [1] الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [2] } [سورة المؤمنون] .
2-الصلاة منهج متناسق لتربية الفرد والمجتمع يصل بهما إلى قمة السمو الأخلاقي، قال تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ... [45] } [سورة العنكبوت] .
3-الصلاة تمد المؤمن بقوة روحية تعينه على مواجهة المشقات في الحياة الدنيا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [153] } [سورة البقرة] .