فهرس الكتاب

الصفحة 26504 من 27345

مرة أخرى أقول أيها الأخوة إن البشر هم الذين بتوفيق الله سبحانه وتعالى يصنعون التأريخ والحياة، هم الذين جعلهم الله عز وجل وسيلة للتغيير في هذه الحياة وهذا الكون، هم الذين استخلفهم الله سبحانه وتعالى في الأرض، فهم الطاقة التي لا يسوغ أن تهدر، الطاقة التي لا يسوغ أن تهمل وتذهب سدى، ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى أن نستثمر هذه الطاقة، وأن نوظفها في خدمة ما خلقت من أجله، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الناس ليعبدوه (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان خليفة في الأرض، خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ليقوم بهذا المنهج وهذا الدين في الأرض، وسخر الله سبحانه وتعالى له كل ما في السموات والأرض فسخر الله سبحانه وتعالى له النعماء، وصرف سبحانه وتعالى عنه الضر والبأس، ويسر له كل هذا الكون بكل ما فيه، كل هذا تسخيرا لهذا الإنسان الذي ماخلق أصلا ولا أوجد إلا ليكون عبدا لله سبحانه وتعالى، إلا ليقوم بعبودية الله عز وجل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان قريبة أو بعيدة، من معان قد تعظم وقد تصغر عند الناس، ولكنها عند الله سبحانه وتعالى عظيمة غالية لأنها عبادة يتوجه بها إلى الله سبحانه وتعالى، إن هذا الإنسان الذي لم يخلق إلا لعبادة الله عز وجل، لا يسوغ أبدا بحال أن تصرف طاقته وجهده في غير مرضاة الله عز وجل، وفي غير ما خلق من أجله، ونحن في هذه المرحلة التي تعيشها أمتنا وفي هذا الواقع الأليم الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية أحوج ما نكون إلى حشد الطاقات، إلى أن نجمع الجهود فنستنفر وندعو الناس جميعا لأن يتبرعوا فيخرجوا لنا أناسا وقفا لله تعالى بكل ما يملكون من طاقات وجهود يسخرونها خدمة لدين الله سبحانه وتعالى، على هؤلاء أن يساهموا في قيادة الأمة إلى بر الأمان.

أيها الأخوة يتحدث الفقهاء عن حكم نقل الوقف فيقررون أنه لا يسوغ نقله إلا حين تتعطل منافعه، فهل هذا الوقف الذي ندعو إليه كذلك؟

أبدا إنه وقف دائم لا يسوغ نقله، لماذا؟لأن الوقف لا يسوغ نقله إلا حين تتعطل منافعه، وهذا الوقف لا يمكن أبدا أن تتعطل منافعه، فصاحبه إن أعياه التعب وأرهقه الجهد فقعد به عن عمل تتطلع نفسه إليه، لن يعجز لسانه عن دعوة صالحة للإسلام والمسلمين، وإن خرس لسانه فجوارحه لن تعجز أن تقدم خيرا، وإن شُلَّت جوارحه فقلبه يلهج بحب الله ورجائه والتوجه له، فحتى وهو مقعد كسيح لا يستطيع حراكا تنصر الأمة به"أبغوني ضعفاءكم فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم، وإن قعد به مرض أو سفر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنه لن تضيق أمامه الأبواب وهو يسمع التوجيه النبوي الكريم في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال:سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟قال:"الإيمان بالله، والجهاد في سبيله"قلت:أي الرقاب أفضل؟قال:"أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنا"قلت:فإن لم أفعل؟قال:"تعين صانعا أو تصنع لأخرق"قلت:يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟قال:"تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك"."

وحتى حين يموت ويودع الحياة فالمسلم مبارك حي وميتا، وكم نرى ونشاهد أن رجلاً من الصالحين مات فاجتمع الناس لجنازته فوافق ذلك أن حضرت جنازة أخرى فُصلّي عليها هذا الجمع العظيم، وساروا فيها فصار هذا الرجل بركة في حياته وموته، وكم نسمع أن فلاناً من الناس قد تاب وأناب إلى الله عز وجل حين مات رجل صالح، وكم نرى ونسمع أن بيتاً بأسره قد تغيرت أحواله وتبدلت أموره إلى الصلاح، لأن أهله افتقدوا شابا صالحا مطيعا لله تخطفه الموت من بينهم.

فهاهو المسلم تبقى بركته حيا وميتا، فلا تتعطل منا فعه فهو حينئذ وقف دائم لا يسوغ نقله، لأن منافعه لا تتعطل.

الوقف عند الفقهاء أيها الأخوة عقد لا زم لا خيار فيه، فحين يتبرع امرؤ بمال فيوقفه لا يملك بعد ذلك أن يرجع، وهانحن كذلك قد عقدنا الصفقة وتم البيع، فلا مجال للخيار، لأنه لا غبن ولا تدليس ولا خلابة، قد تم البيع (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله) إلى أن قال الله عز وجل (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به) فلا مجال إلا الوفاء في الصفقة والوفاء بالبيع فاستحقاق الثمن حينئذ، أو النكوص والنقض وحينئذ يستحق صاحبه النكال، فهو عقد لازم لا خيار فيه ولا مجال فيه للرجوع والتردد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت