في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أرضه التي أوقفها في خيبر-وهو حديث عظيم وأصل من الأصول في باب الوقف-قال لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف، فلناظر الوقف ووكيله أن يأكل منه بالمعروف وينتفع من غلته بما لا يعود على مقاصد الوقف بالإبطال، ومن هنا يتحدث الفقهاء عن ناظر الوقف، فيسوغ له أن يأكل ما يقيمه بالمعروف، ويسوغ له أن ينتفع منه بالمعروف، لكن هذا الانتفاع لا يسوغ أبدا أن يتحول إلى مصدر للتمول والتأثل، فحينئذ تتعطل منافع الوقف التي من أجلها وقف.
أما هاهنا فالواقف والموقوف وناظر الوقف شيء واحد، وله أن يمتع نفسه أو يشغلها بالمعروف، لأن من ولي الوقف له أن يأكل منه بالمعروف، فالنفس تكل وتمل، وتحتاج إلى شيء من التسلية والانبساطة حتى تعود بعد ذلك أكثر حماسة وأكثر عزيمة، ولنا في نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم الأسوة وخير القدوة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا، كان صلى الله عليه وسلم يداعب أصحابه، وكان صلى الله عليه وسلم يمازحهم، وكان كما يقول عنه جرير رضي الله عنه ما رآني صلى الله عليه وسلم إلا تبسم، ويوصي النبي صلى الله عليه وسلم من جاء يشتكي إليه من قسوة قلبه فيقول ساعة وساعة، إن من تمام حيوية المرء ونشاطه وهمته ومما يعينه أن يأخذ لنفسه قسطاً من الراحة والمزاح المشروع واللهو المباح، ولكن هذا يجب أن يكون مقيداً بالمعروف فلا يسوغ له أن يتجاوز.
فإذا تجاوز حينئذ فأصبح اللهو والراحة واللذة مطلبا أساسا، حينئذ اعتدى على هذا الوقف وهذا لا يسوغ له، فهو ناظر ووصي وولي، لا يجوز له أن يأكل إلا بالمعروف، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (كل لهو باطل إلا ثلاث) حتى اللهو هاهنا وحتى إمتاع النفس إنماهو بما يهيئها لأن تخدم دين الله: ملاعبة الرجل أهله، أو تأديبه فرسه، أو رميه بقوسه.
الوقف عند الفقهاء له مجالات شتى ومصارف منوعة، فقد يكون وقفا على الذرية، أو على ابن السبيل، أو طالب العلم، أو ربما طالب علم معين كفقه حنفي أو حنبلي، أو وقف على المجاهدين والمرابطين، ولن يضير المرء أبدا أن يقف شيئاً من ماله على مجال دون غيره، مادام يرى أن هذا المجال بحاجة وأنه أولى من غيره من الأبواب.
وهكذا فنحن نرى من يقف وقته على العبادة والذكر ودعوة الناس بسمته وزهده، فتراه يقضي سحابة نهاره تاليا لكتاب الله عز وجل، صائما قانتا مصليا مقبلا على الله سبحانه وتعالى، فإذا رآه الناس ذكروا الله عز وجل، إذا رآه الناس تذكروا هدي الصالحين والسابقين، وحين يدعو ينفع الله المسلمين بدعوته، ونرى من يقف نفسه على إغاثة المحتاج وإعانة المنقطع، ونرى من يقف نفسه على دعوة غير المسلمين إلى دين الله سبحانه وتعالى، وإلى الدخول في السلم كافة، أو من يقف نفسه على إصلاح من قسا قلبه من المسلمين وتنكب الطريق منهم، فصار جهده وهمه ووقته وتفكيره وحياته كلها مصروفه على دعوة هؤلاء وعلى وعظهم وعلى نصحهم وعلى الأخذ بأيديهم ليسلكوا الطريق المستقيم ويسيروا في ركاب الصالحين، ونرى من وقف نفسه على تعاهد النبتة الصالحة، على تعاهد عدة الأمة وذخيرتها، على تعاهد الشباب بالتربية والتعليم والتوجيه، والدعوة لكتاب الله عز وجل، فثنى ركبته ببيت من بيوت الله سبحانه وتعالى يقرئهم كتاب الله عز وجل ويعظهم بزوا جره ويرغبهم بفضائله، فوقف حياته ووقته على هؤلاء الشبيبة وأولئك الصبية، كل هذا إعدادا لمن ينفع الله سبحانه وتعالى بهم الأمة، ونرى من وقف نفسه على تعليم العلم الشرعي فصار همه وحياته حتى أشغله عن سائر ما يتمتع به الناس من مصالح، فلم يعد وقته ملكا له إنما هو ملكا للناس، بل لم يعد هو حتى ملكا لنفسه فقد أصبح وقفا لله تعالى، والآخر الذي وقف حياته على إنكار المنكرات الظاهرة.
وهكذا نرى مجالات شتى وجوانب متعددة، كلها تصب في مصب واحد وطريق واحد في صحيح البخاري من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:"أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعدها إلا أدخله الله بها الجنة"فلماذا نقسم العدد على أربعين قسمة ضيزى فنختصرها ونجعلها طريقا واحداً، وخصلة واحدة، ولماذا نوصد تلك الأبواب التي فتحها لنا النبي صلى الله عليه وسلم مشرعة؟
في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال:"إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد الستين والثلاثمائة، فإنه يمسي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار هكذا".
فهي مصارف شتى للوقف ومنافع متنوعة، تسير في منظومة واحدة دون تنافر أو تناقض، فكلٌ وقف نفسه على باب من أبواب الخير، ولسان حاله يقول كما قال إمام دار الهجرة:"كلانا على خير وبر".