فهرس الكتاب

الصفحة 26506 من 27345

ولنفتح بعض الصفحات من السنة النبوية لنرى نماذج من هذه الأوقاف:عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه، أو رجل في غنيمة أو شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير"رواه مسلم فالنبي صلى الله عليه وسلم يصور لنا نموذجاً من أولئك الناس، هذا الذي وقف حياته في سبيل الله عز وجل خدمة لدين الله سبحانه وتعالى، فهو على فرسه كلما سمع هيعة أو فزعة طار ولبى يبتغي الموت والقتل مظانه، فلم يبق له مطلب يسعى إليه ولا هدف يسير إليه إلا هذا الهدف وهذا المطلب، قد وقف حياته لله عز وجل .

والآخر الذي لم يطق الصبر على الفتن والمصائب، وصار في عصر يقتضي منه العزلة بضوابطها الشرعية، فرأى أن يعتزل الناس ليعبد الله عز وجل في شعف من الشعاف، وشعب من الشعاب، إن أولئك كلهم قد وقفوا حياتهم لله عز وجل.

ويتمنى صلى الله عليه وسلم أمراً لم يمنعه منه إلا شفقته صلى الله عليه وسلم على المسلمين-وهو أرحم الناس صلى الله عليه وسلم وأرقهم قلبا-فيقول:"ولولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني"وفي هذا الحديث دعوة للمسلم أن يكون هذا مسعاه لا يتخلف عن سرية تغزو في سبيل الله عز وجل، ولا يسمع هيعة وفزعة إلا طار ولبى يبتغي الموت والقتل مضانه، إنه لا يتقاعس عن عمل يخدم فيه دين الله عز وجل، فما أن يسمع صوتاً يدعوه بحق وصدق أن يسلك هذا الميدان، أن يجاهد هاهنا بيده وسلاحه وسنانه، أو يجاهد هناك بقلمه، أو يجاهد هنا بلسانه إلا طار ولبى يبتغي نصرة دين الله سبحانه وتعالى فقد وقف حياته لله عز وجل.

وحين قيل له صلى الله عليه وسلم إن خالدا منع الزكاة قال:"إن خالداً احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله عز وجل"فخيل خالد وسلاحه وأعتده لم يعد لها غرضٌ بعد ذلك إلا الجهاد في سبيل الله عز وجل وإعلاء كلمته، وحتى جسده رضي الله عنه قد جعله وقفا لهذا الميدان وهذه الحياة، فمات رضي الله عنه وما في جسده موضع شبر إلا وفيه جرح يشهد بصدق بلائه وصدق دعوته وإخلاصه لله عز وجل، وقد شهد زهاء مائة زحف وهو القائل رضي الله عنه"ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب بأحب لي من ليلة شاتيه في سرية من المجاهدين أصبح فيها العدو".

وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال:"لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به أناء الليل وأناء النهار ورجل أتاه الله مالا فهو ينفقه أناء الليل وأناء النهار"وأخرجاه أيضا من حديث ابن مسعود وأخرج البخاري نحوه من حديث أبي هريرة.

إنها صورة أخرى من صور الوقف من وقف ليله ونهاره لتلاوة كتاب الله تعالى، ومن وقف ماله فأهلكه في الحق والإنفاق في سبيل الله أناء الليل وأناء النهار.

كلها صوروإن تنوعت مجالاتها وطرقها فكلها تصب في نهر واحد وتؤدي إلى طريق واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت