وإن ما سبق ذكره لا يعني ألا يوجد خلاف أبداً بين الأفراد أو الجماعات،كلا...فالخلاف ـ والله أعلم ـ أمر حتمي تفرضه اختلاف الطبائع والمقومات الشخصية والفكرية والميول النفسية...إلخ،ولكن ليس كل اختلاف
يوجب الفرقة والتنازع والتباغض ، وأوضح مثال لذلك أن السلف رحمهم الله قد اختلفوا في كثير من المسائل ، ومع ذلك كانت كلمتهم مجتمعة ولم يتفرقوا ، والكلام هنا منصب على من هم في دائرة أهل السنة والجماعة ولم يختلفوا في أصولها ؛ أما المخالفون لأهل السنة من أهل الأهواء والبدع، فإن خلافنا معهم أصيل ومتعين ، ومثل هؤلاء ينبغي أن نفارقهم ونتبرأ من بدعهم وضلالاتهم .
وإن الأمة ـ منذ عهد أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم - ـ قد وقع بينهم اختلاف في بعض المسائل ، ولم يكن هذا الاختلاف يوجب الفرقة ، إلا عندما يدخل الشيطان أو أولياؤه من الجن والإنس ، أو يكون المفارق لا علم عنده بالأدلة ومسائل الخلاف، وما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز ، وهذا أدى إلى تحول الخلاف ـ الذي تحتمله الشريعة،ويسعه أقوال الصحابة رضي الله عنهم ، ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وأئمتهم ـ إلى عداوة وفرقة .
وإن أهل السنة يمكن أن يقع بينهم اختلاف حول بعض المسائل التي يجوز الاختلاف فيها ، ولكن هذا لا يؤدي إلى اختلاف القلوب ، لعلمهم بأن هناك أسباباً كثيرة ترفع اللوم عن الأئمة الأعلام لعدم وصول الدليل إليهم،أو أن الدليل وصل إليهم ولكن اختلفت الأذهان في فهم دلالته ، أو غير ذلك من أسباب الخلاف المحتمل في الشريعة (ارجع إلى كتاب . رفع الملام لشيخ الإسلام ابن تيمية لتفصيل هذه الأسباب ) .
من أجل ذلك ، ومن أجل جوانب تربوية أخرى،تأتي هذه الوقفات القرآنية لتلمس هذه الحقائق،ولتكون خطوة على طريق إزالة هذه الخلافات الحادة ، لعلنا نهتدي إلى أول الطريق ، فنبصر آخره ؛ لأن من ضل أول الطريق فقد صعب عليه أن يمسك بنهايته .
أسأل الله عز وجل أن ينفع بها ، وأن تكون مثار اهتمام بهذا لمن يهمهم هذا الأمر، وإلى أن تكون مجالاً للكتابة والبحث والحوار والعمل ، والله من وراء القصد ، والحمد لله رب العالمين .
الرسالة الأولى: وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم (( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ ) ) ( الأنعام: 152)
أهمية الموضوع
(( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ ) ) ( الأنعام: 152) إن أهمية الموضوع تأتي من أنه مفتاح الحق ، وجامع الكلمة ، والمؤلف بين القلوب ؛ لأن من أقوى أسباب الاختلاف بين العباد: الظلم والاعتداء، وفقدان العدل والإنصاف . ولو جاهد المسلم نفسه لتحقيق صفة العدل على نفسه ومع الناس ؛ فإن كثيراً من المشاكل التي تحصل بين المسلمين ـ سواء منها الفردية أو الجماعية ـ ستزول وتحل بإذن الله ؛ وذلك لأن سبب الانحراف عن الحق والإصرار على الأخطاء: إما الجهل وإما الظلم ؛ فالجهل علاجه العلم، والظلم علاجه العدل والإنصاف والقسط .
ولقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كثيراً ما يرجع أسباب الفرقة والتعدي والتعصب إلى الأمرين المذكورين سابقاً ؛ فتراه يقول: (( الإنسان خُلق ظلوماً جهولاً ؛ فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائماً إلى علم مفصل يزول به جهله ، وعدل في محبته وبغه ، ورضاه وغضبه،وفعله وتركه،وإعطائه ومنعه،وأكله وشربه،ونومه ويقظته .
وكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله ، وعدل ينافي ظلمه ؛ فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل ، وإلا كان منه من الجهل والظلم ما يخرج به من الصراط المستقيم ، وقد قال تعالى لنبيه- صلى الله عليه وسلم - بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان: (( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) )إلى قوله تعالى (( وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ) ) (الفتح:1،2) ، فإذا كان هذه حاله
في آخر حياته أو قريباً منها، فكيف حال غيره؟! )) (1) اهـ.
وقال رحمه الله: (( والعدل هو الاعتدال،والاعتدال هو صلاح القلب، كما أن الظلم فساده ، ولهذا جميع الذنوب يكون الرجل فيها ظالماً لنفسه، والظلم خلاف العدل ، فلم يعدل على نفسه بل ظلمها ، فصلاح القلب بالعدل ، وفساده في الظلم ، وإذا ظلم العبد نفسه فهو الظالم المظلوم، كذلك إذا عدل فهو العادل والمعدول عليه ، فمنه العمل ، وعليه تعود ثمرة العمل من خير وشر ، قال تعالى: (( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت ) ) (البقرة:286) ... )) (2) ، إلى أن قال في الجزء نفسه ص 99:
(( مع أن الاعتدال المحض السالم من الأخلاط لا سبيل إليه ، لكن الأمثل فالأمثل ، فهكذا صحة القلب وصلاحه في العدل ، ومرضه من الزيغ والظلم والإعراض ، والعدل المحض في كل شيء متعذر علماً وعملاً، ولكن الأمثل فالأمثل ؛ولهذا يقال: هذا أمثل ، ويقال: الطريقة السلفية الطريقة المثلى .
(1) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ( 14 / 38 ) .
(2) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ( 10 / 98 ) .