فهرس الكتاب

الصفحة 26624 من 27345

وقال تعالى: (( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) ) (النساء:129) ، وقال تعالى (( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) ) (الأنعام:152) ، والله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط . وأعظم القسط عبادة الله وحده لا شريك له ، ثم العدل على الناس في حقوقهم ، ثم العدل على النفس )) اهـ.

وهنا نرى أن شيخ الإسلام قد بيَّن أهمية العدل ، وأنه أساس النجاة في الدنيا والآخرة ، وقد قسَّمه حسب الأهمية إلى: أعظم العدل ؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، ثم العدل على الناس ، ثم العدل على النفس، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في ثنايا هذا البحث .

وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضاً أهمية العدل مع الخصوم والمفارقين لأهل السنة ؛ حيث قال:

(( وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ، ويرحمون الخلق، ويتبعون الرسول- صلى الله عليه وسلم - ولا يبتدعون ، ومن اجتهد فأخطأ خطأ ً يعذره فيه الرسول- صلى الله عليه وسلم -عذروه...إلى أن قال: (( والله يحب الكلام بعلم وعدل ، ويكره الكلام بجهل وظلم ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة: رجل قضى للناس على جهل فهو في النار ، ورجل علم الحق وقضى خلافه فهو في النار ، ورجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ) ) (1) .

وقد حرم سبحانه وتعالى الكلام بلا علم مطلقاً ، وخص القول عليه بلا علم بالنهي؛ فقال تعالى: (( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ) (الاسراء:36) ، وقال تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) ) (الأعراف:33) وأمر بالعدل على أعداء المسلمين؛فقال تعالى: (( كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) ) (المائدة:8 ] ) ) (2) .

إذن مما سبق ذكره من كلام شيخ الإسلام يتبين لنا أهمية العدل في القول والعمل ، وأن الأمانة التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال وأشفقن منها،لا يستطيع أن يحملها الإنسان إلا بأن يتغلب على صفة الجهل، بالعلم والتفقه في دين الله عز وجل ، وبأن يتغلب على صفة الظلم، بالعدل والإنصاف.

ومع ذلك ـ وكما أشار شيخ الإسلام ـ فلن يستطيع أن يكمل العدل كله ، ولا أن ينفك عن الجهل كله ، وكذلك فهو في حاجة لأن يتوب الله عليه ويغفر له تقصيره وضعفه ، وهذا هو ما يفهم من آية الأمانة في سورة الأحزاب؛ حيث ذكر الله عز وجل لنا صنفين من الناس:

الصنف الأول: المؤمنون الذين بذلوا جهدهم في طلب العلم المنافي للجهل ، والعدل المنافي للظلم ، فاستحقوا من الله عز وجل أن يتوب عليهم ما لم يستطيعوا تحقيقه من العلم والعدل .

الصنف الثاني: أولئك المشركون والمنافقون الذين أعرضوا عن دين الله عز وجل فلم يتعلموه ، وأعرضوا عن العدل والقسط ، فسقطوا في ظلمات الجهل والظلم ، ووقعوا في الشرك والنفاق ، فاستحقوا العذاب الأليم ، يقول الله تعالى: (( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) ) (الأحزاب:72 ، 73) .

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذين أعانهم على حمل الأمانة وغفر لهم تقصيرهم .

تعريف العدل

ومنزلته في الكتاب والسنة

قال في لسان العرب: العدل: ما قام في النفوس أنه مستقيم ، وهو ضد الجور . عدل الحاكم في الحكم يعدل عدلاً ، وهو عادل من قوم عدول.. وفي أسماء الله الحسنى ( العدل ) وهو الذي لا يميل فيجور في الحكم. والعدل: الحكم بالحق .

(1) رواه أبو داود في الأقضية ( 3573 ) ، وابن ماجه في الأحكام ( 2315 ) .

والحديث في صحيح سنن أبي داود ( 3051 ) .

(2) مجموع الفتاوى ( 16 / 96 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت