فكلما أكثر الحاج من الهدي ، كان أعظم لأجره وثوابه وتقواه ، قال جل وعلا: ( لن ينال اللَّه لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) آية (37) من سورة الحج.
والنبي صلوات اللَّه وسلامه عليه كان بإمكانه أن يهدي بأقل من ذلك ، لكنه أراد زيادة أجره وثوابه ورفعة درجاته .
قال العلماء رحمهم اللَّه في نحره صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين بيده:"إن هذا من الحكمة الإلهية أن ينحر ثلاثاً وستين بيده ، ويعطي علياً ما بقي ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عمره الشريف ثلاثاً وستين سنه ، وكان آخر هديه ثلاثٌ وستون بدنه" (12) .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث بالهدي إلى مكة ، وهو في المدينة ، ففي"الصحيحين"، وغيرهما عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت:"فتلت قلائد هدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ثم أشعرها وقلَّدها ، ثم بعث بها إلى البيت ، وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حل".
وفيهما"أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي اللَّه عنها: إن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما قال: من أهدى هدياً حرم عليه ، ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه ، قالت عمرة: قالت عائشة رضي اللَّه عنهما: ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيديَّ ، ثم قلَّدها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيديه ، ثم بعث بها مع أبي ، فلم يحرُم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيء أحله اللَّه له حتى نحر الهدي".
قال النووي رحمه اللَّه:"فيه دليل على استحباب الهدي إلى الحرم ، وإن لم يذهب إليه يستحب له بعثه مع غيره ثم قال: وفيه أن من بعث هديه لا يصير محرماً ، ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم ، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة" (13) .
وقال ابن حجر رحمه الله:"ـ وأستفيد من ذلك ـ يعني من قصة زياد ـ وقت البعث ، وأنه كان في سنة تسع عام حج أبوبكر بالناس ، ثم أشار إلى قول ابن التين ، وأنها ذكرت ذلك ، لئلا يظن ظان أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ ، فأرادت إزالة هذا اللبس" (14) .
* والهدي في الأصل إنما يلزم المتمتع ، قال ابن المنذر:"أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات ، وقدم مكة ففرغ منها ، وأقام بها ، وحج من عامه ، أنه متمتع ، وعليه الهدي إن وجد ، وإلا فالصيام" (15) .
وقد نص اللَّه عز وجل على ذلك ، قال تعالى: ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) آية (196) من سورة البقرة .
وقال ابن عمر رضي اللَّه عنهما:"تمتع الناس مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، فلما قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال للناس:"من لم يكن منكم أهدى ، فليطف بالبيت ، وبالصفا والمروة ، وليقصِّر ، ثم ليهل بالحج ويهدي ، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة إذا رجع لأهله"متفق عليه ."
وقاس العلماء رحمهم اللَّه القارن على الممتع في لزوم الهدي ، قال ابن قدامه:"لا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافاً ، إلا ما حكي عن داود أنه لا دم عليه ، روي ذلك عن طاوس" (16) .
وأما المفرد فلا دم عليه ، لكن يستحب له أن يتطوع به ، لاجتماع الزمان والمكان الفاضلين ، وقد قال الفقهاء رحمهم اللَّه:"وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضل" (17) .
والدم الواجب في الهدي شاة ، أو سبع بقرة، أو سبع بدنه .
• وفي قول جابر المتقدم: دليل على أن الأفضل أن يتولى الإنسان ذبح هديه بيده ، تذلُّلاً للَّه وتعبداً له ، لأن هذا النحر أو الذبح ليس للأكل فقط ، بل هو قربة بنفسه ، كما قال عز وجل: ( لن ينال اللَّه لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) آية (37) من سورة الحج .
فإن شق عليه الذبح بنفسه ، وكَّل مسلماً في ذبحها وحضرها .
ويقول عند الذبح:"بسم اللَّه واللَّه أكبر ، اللَّهم هذا منك ولك ، اللَّهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك" (18) .
وإن كانت أُضحية قال:"بسم اللَّه واللَّه أكبر ، اللَّهم هذا منك ولك ، اللَّهم هذا عني وعن أهل بيتي ، اللَّهم تقبل مني ...".
• وفي قول جابر أيضاً: دليل على استحباب الأكل من الهدي ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل بدنه ببضعة فجعلت في قدر ، فأكل من لحمها وشرب من مرقها هو وعلي رضي اللَّه عنه .
وقد قال اللَّه عز وجل: (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) آية (28) من سورة الحج .
ومصرف الهدي فقراء الحرم ، ولذا قال الفقهاء رحمهم اللَّه:"وكُل هدي أو إطعام فلمساكين الحرم" (19) .
ومساكين الحرم: هم من كان داخل حدود الحرم ، سواء كان من أهله ، أو وارد إليه من الآفاقيين .
ومع ذلك فحكمه حكم الأضحية يقسِّمه أثلاثاً: ثلث يأكله ، وثلث يهديه ، وثلث يتصدق به .