فهرس الكتاب

الصفحة 26779 من 27345

قلت: هذا مقطوع ، لأنه من قول أبي إسحاق وهو تابعي ، لكن روي الترمذي ، عن جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه ، قال:"حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر ، وحجة بعدما هاجر معها عمرة...".

قال الترمذي:"هذا حديث غريب من حديث سفيان ، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب ..."

وسألت محمداً عن هذا ، فلم يعرفه من حديث الثوري ، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ورأيته لم يَعُد هذا الحديث محفوظاً ، وقال: إنما يروى عن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد مرسلاً" (23) ."

قلت: فالحديث معلول ولا يصح .

قال ابن العربي:"فإن قيل: رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل أن يفرض الحج ، فعلى أيّ ملة كان ، فإن الناس اختلفوا فيه ؟ قلنا: قد بيّنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على شرعة أحد ، وأنه كان على الفطرة سليما عن الريبة ، سليماً عن البدعة ، سليماً عن المعصية ، مسدوداً عليه باب المخالفة لما يكره اللَّه بتوفيق اللَّه له ذلك وتيسيره ، حتى جاء أمر اللَّه ، فلما بعث اللَّه نبينا وقص عليه أمر الرسل ، وأعلمه حالهم وشرائعهم ، وتفصيل الكائنات، ورأى الأنبياء حجاجاً كإبراهيم ، مصلين ، حج فتطوع ، فجرى على الطريقة المثلى بتوفيق اللَّه تعالى حتى فرضه اللَّه علينا وعليه...." (24) .

5-فائدة:سأل الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه اللَّه ، الشيخ ابن عرفة حين اجتماعه به في مصر عن ماء زمزم: لِمَ لم يكن عذباً ؟ فقال ابن عرفه في جوابه: إنما لم يكن عذباً ليكون شربه تعبداً لا تلذذاً . فاستحسن ابن حجر جوابه وطرب به . انتهى (25) .

6-قال الشيخ ابن جاسر رحمه اللَّه:"وكلام الحنابلة صريح في أن المزاحمة التي تؤذي الغير أقل أحوالها الكراهة ، وعن عبد اللَّه بن الحارث قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعمر رضي اللَّه عنه:"يا أبا حفص إنك رجل قوي فلا تزاحم على الركن ، فإنك تؤذي الضعيف ، ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه ، وإلا فكبر وامض"رواه الشافعي وأحمد وغيرهما ، وهو مرسل جيد ،فظهر مما تقدم أن المزاحمة على الحجر بحيث يحصل منها إيذاء لنحو ضعيف منهيٌ عنها للآثار المتقدمة ، وأما فعل عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما فليس بحجة ، لا سيما وقد خالفه والده عمر رضي اللَّه عنه ، وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وغيرهم من الصحابة واللَّه أعلم" (26) .

قلت: فظهر خطأ أولئك القوم الذين يتزاحمون على تقبيل الحجر ، ويؤذي بعضهم بعضا ، وربما تلفظ بعضهم بألفاظ قبيحة .

نسأل اللَّه السلامة والعافية.

7-قال العلماء: الحج المبرور: هو الذي اشتمل على الصفات التالية:

أ ـ أن يكون خالصاً للَّه .

ب ـ أن يكون بمال حلال . فإن لم يكن بمال حلال فليس بمبرور وقد قيل:

إذا حججت بمال أصله سحت ... ...

فما حججت ولكن حجت العير

ما يقبل اللَّه إلا كل صالحة ... ...

ما كل من حج بيت اللَّه مبرورا

جـ - أن يقوم فيه بفعل المأمور .

د - أن يجتنب فعل المحظور .

وقد سئل الحسن البصري رحمه اللَّه: ما الحج المبرور ؟ قال: هو أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة (27) .

8 -فائدة:لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إحرام المرأة في وجهها"، وإنما هو قول بعض السلف .

9-قال ابن الجوزي رحمه اللَّه:"اعلم أن غض البصر عن الحرام واجب ، ولَكم جلب إطلاقه من آفة ، خصوصاً في زمن الإحرام وكشف النساء وجوههن ، فينبغي لمن يتقي اللَّه عز وجل أن يزجر هواه في مثل ذلك المقام تعظيماً للمقصود ، وقد فسد خلق كثير بإطلاق أبصارهم هنالك" (28) .

10-قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه اللَّه:"فمن المعلوم أن الذي يوالي بين العُمَر من مكة في شهر رمضان أو غيره أولى بالكراهة ، فإنه يتفق في ذلك محذوران:"

أحدهما: كون الاعتمار من مكة ، وقد اتفقوا على كراهة اختيار ذلك ، بدل الطواف .

والثاني: الموالاة بين العُمَر ، وهذا اتفقوا على عدم استحبابه ، بل ينبغي كراهته مطلقاً فيما أعلم لمن لم يعتض عنه بالطواف ، وهو الأقيس، فكيف بمن قدر على أن يعتاض عنه بالطواف ؟!

بخلاف كثرة الطواف ، فإنه مستحب مأمور به ، لا سيما للقادمين، فإن جمهور العلماء على أن طوافهم بالبيت أفضل لهم من الصلاة بالمسجد الحرام ، مع فضيلة الصلاة بالمسجد الحرام" (29) ."

وقال طاؤوس بن كيسان رحمه الله:"لا أدري الذين يعتمرون من التنعيم يؤجرون أو يعذبون ، قيل له: فلِم يعذبون ؟ قال: لأنه يدع البيت والطواف ، ويخرج إلى أربعة أميال ، ويجيء أربعة أميال ، قد طاف مائتي طواف ، وكلما طاف كان أعظم أجراً من أن يمشي في غير ممشى" (30) .

قلت: فظهر خطأ أولئك القوم الذين يكرِّرون العمرة في سفرة واحدة من التنعيم ، فإن هذا العمل ليس بمشروع ، وهو إلى الكراهة أقرب ، كما قال شيخ الإسلام رحمه اللَّه .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت