وأمر آخر ! وهو أن كعباً كان في حالة نفسية قلقة مضطربة خائفة ، وفي معاناة شديدة قاسية ، وفي عزلة مهلكة وخطر حقيقي يتهدد حياته ، فأنّى له أن يُفكّر في الغزل والتشبيب في هذه الظروف ، وأنّى له أن يفكّر في النساء وغرامهن ولهوهنّ و وصف أجسامهنّ ؟! كلا ! إننا نؤمن أنه كان في حالة فكرية نفسية تبعده كلّ البعد عن أجواء الغزل والنسيب والتشبيب .
ونؤمن كذلك أن القصيدة لا بدّ أن تخرج من حقيقة المعاناة التي يمرّ بها ، وأن تعرض القضية الحقيقية الجديدة التي يعيش بها ، وأن تصور هذه المعاناة وتلك الحقيقة تصويراً أميناً يعبق بالصدق وجلاء الشعور ووضوح الموقف ، حتى يلمس رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمة التصوير وعبقرية الفنّ المؤثر ، وأمانة الصدق الفوّاح من كلماتها ، لتكون هي الرسالة الحقيقية التي يريد أن يبلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال تصوير فنّي مبدع متميز . ولعلّ الله سبحانه وتعالى أعان كعباً في ذلك ، فجاءت القصيدة روعةً فنيّة وإبداعاً عبقرياً ، شغل الأدباء المسلمين على مرّ العصور ، وآثار إعجاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
نودُّ أن ننفي أولاً وجود فتاة حقيقية كان يُحبّها كعب ، فجعل حبّه هذا مطلع القصيدة . ننفي ذلك لأنه لو كان هنالك هذا الحبّ في حياته لعرف قبل ذلك ، ولتغزَّلَ بها قبل هذا الموقف ، ولدار بها شعره ، ولو كان مطلع القصيدة يشير إلى غزل حقيقي في فتاة حقيقية لنهاه رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما نعتقد ونؤمن . فمن ذا الذي يجرؤ أن يعرض حبّه وغزله وتشبيبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في موقف التائب العائذ برسوله ، النازع إلى الإسلام بعظمته وجلاله .
ونودّ أن ننفي كذلك أن كعباً ذكر في مطلع قصيدته فتاة غير حقيقية ، اخترعها خياله ليتغزّل بها جرياً على عادة أو اتباعاً لقاعدة .
فكما ذكرنا قبل قليل فهذه لم تكن عادة ملزمة للشعراء ، وكان أمام كعب أساليب أخرى يتخيّر منها أطيبها وأطهرها . وكذلك فإنّ جوّه النفسي والخطر الذي كان يتهدّده ، كان كافياً ليبعد عن قلبه النساء والغزل والتشبيب وهماً أو خيالاً أو حقيقة .
لا بدّ أن يختار كعب أسلوباً يناسب إيمانه الجديد ، نابعاً منه لا من التقاليد الجاهلية التي تركها ، أسلوباً يناسب مقام النبوة وعظمة رسالة الإسلام ، وأنّى للغزل والتشبيب والنسيب أن يلائم ذلك .
ولا بدّ لنا ، من أجل فهم القصيدة ومطلعها ومحورها، أن نعيش مع كعب رضي الله عنه لحظات نتابع فيها نفسيته وفكره ، وخوفه وقلقه ، وأحلامه وآماله، من خلال الأحداث التي سبق عرضها ، والأخطار التي أحدقت به ، والمصير الذي آل إليه .
لقد كان كعب شاعراً جاهلياً . وكانت الجاهلية بكلّ أعرافها وأفكارها ملكت عليه نفسه ، حتى ظنّ أنها هي الحق وهي التي تستحق الحبّ والولاء .
ولقد بلغ من ذلك من نفسه حدّاً دفعه إلى أن يتنكّر لوصية أبيه ويرفض رأي أخيه ، ثم يرتكب الإثم العظيم الذي لا يصدر إلا عن كافر محارب لله ولرسوله ، حين هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم هجاءً أعلن فيه رفضه للإسلام وتمسّكه بجاهليته ودنياه وأهوائه ونزواته ، وما ورثه عن آبائه من هذه الجاهلية . لقد كان هذا هو حبّه الأول الذي ملك عليه نفسه ، وحدّد على أساسه موقفه ورأيه وكلمته . هذه هي النقطة الهامة الأولى التي تنكشف لنا من حياة كعب ، ومن قصيدته كما سنبين . ولا بدّ لكعب أن يُشير إلى هذه المرحلة من حياته في قصيدته ويعلن توبته منها ، فكيف عبّر عن ذلك ؟!