ثمّ بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دمه ، فربّما استهان بذلك أول الأمر . ولكنه حين لجأ إلى مزينة لتجيره من خطر الموت الذي يتهدّده ، أبت عليه . وانتشر الخبر بأنه مقتول وشاع بين الناس وتخلّوا عنه . وتخلّى عنه أخوه ، وشعر أنه وحيد . لقد لجأ إلى حبّه الأول الذي كان عليه ، حبّ الدنيا والجاهلية ، ولجأ إلى روابطها ومواثيقها وعهودها ، فخذلته ، وأخذت تبتعد عنه شيئاً فشيئاً . وكان قلبه ما زال معلقاً بها ،"متيّماً بها"، أضناه حبّها فهو"متبول"، كأنه لا يستطيع انفكاكاً عنها"لم يُفدَ مكبول"! وهذه هي النقطة الثانية الهامة في نفسية كعب ، حين أخذ يدرك أن هذه الجاهلية التي كانت تمثّل حبّه الأول أخذت تغيب عنه مع ما كانت تحمل من جمال لها في نفسه ، كأنها الغادة الجميلة"الهيفاء"التي يزهو جمالها ويبدو في صوتها"أغنّ"، وفي طرفها:"غضيض الطرف مكحول"، وفي قوامها مقبلة ومدبرة:"هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة"، وفي اعتدال طولها"لا يشتكي قصر منها ولا طول"وفي ثغرها وأسنانها:"تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت …."هذا الجمال كلّه الذي كان يحسّه في دنيا الجاهلية لم يسعفه وهو في حالة الخطر ، فنقضت الجاهليةُ عهدها، وكانت عنده أثيرة لولا نقضها لعهدها وتخليها عنه . ولكنها هي الجاهلية التي أخذ يكتشف مساوئها ومساوئ دنياها. إنها الدنيا المملوءة بالخيانة والغدر وعدم الوفاء، مما يرمي بالفواجع والكذب والإخلاف:"فجع وولع وإخلاف وتبديل"، حتى كأن هذه الصفات طبيعة ممزوجة بدمها لا تستطيع الخلاص منها:"لكنّها خُلّة قد سيط من دمها"!
هاتان القضيتان الهامتان اللتان لا بدّ أن يُشير كعب ، أو أي شاعر في موقفه إليهما ، تمثلان الأبيات الثلاثة عشر الأولى من القصيدة .
إن البيت الأول ، مطلع القصيدة ، يعلن فيه ابتعاد دنيا الجاهلية وغيابها عنه، مع ما كان يحمل لها من حبّ لم يكن قد تحرّر منه بعد:
متيّمٌ إثرها لم يُفْد مكبولُ (4)
... بانت سعادُ فقلبي اليوم متبول
ثمّ أخذ في وصف جمال هذه الجاهلية ، وصفاً يمثلها فيه بفتاة جميلة القوام، واعتدال الطول ، والصوت ، والطرف ، والثغر وغير ذلك . ويستحق هذا الوصف الخمسة الأبيات التالية:
إلا أغنّ غضيض الطّرف مكحولُ (5)
... وما سعادُ غداة البين إذ رحلوا
لا يشتكي قِصرٌ منها ولا طُولُ (6)
... هيفاء مُقبلة عجزاء مُدْبرةٌ
كأنّه مُنْهلٌ للرّاح مَعْلولُ (7)
... تجلو عَوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتسمت
صافٍ بأبطح أضحى وهو مشمولُ (8)
... شُجّتْ بذي شَبَمٍ من ماء محنِيةٍ
مِنْ صَوب غاديةٍ بيضٌ يَعَاليلُ (9)
... تنفي الرّياحُ القذى عنه وأفْرطهُ
فما كان هنالك فتاة في حياته رَحَلتْ عنه ، وتركته وهو يُحبّها إلا الجاهلية التي كان عليه ، الجاهليّة ، ثمّ هي بعد ذلك إشارة إلى حبّه الجديد الذي صار إليه ، الإسلام كما سنرى .
وإذا كانت هذه الأبيات تمثّل في ظاهرها غزلاً وتعبيراً عن حبّه لسعاد التي بانت ، حبّه الذي نرى أنه يمثّل حبّه للجاهلية التي أخذت تبتعد عنه حقيقة لا مجازاً ، فإن الأبيات التي تليها والتي يتابع فيها كعب حديثه عن سعاد ، تمثّل وصفاً أقرب ما يكون لحال الدنيا ، دنيا الجاهلية وما تحملها من غدر وكذب وإخلاف ، دنيا الجاهلية التي أخذت تتكشّف له سوآتها وشرورها ومصائبها من فجْعٍ وولع وإخلاف وتبديل . فلنعش مع هذه الأبيات لحظات:
بوعْدها أو لوأنّ النصحً مقبولُ (10)
... فيالها خُلّة لو أنّها صَدقتْ
فجْعٌ وولْعُ وإخلافٌ وتبديلُ (11)
... لكنّها خُلّة قد سِيطَ من دَمِها
كما تلوّن في أثوابها الغولُ (12)
... فما تدومُ على حالٍ تكون بها
إلا كما يمسكُ الماءَ الغرابيلُ ... ... وما تمسّك بالعهد الذي زعمتْ
إنّ الأمانيّ والأحلام تضليلُ ... ... فلا يغرنّكَ ما منّتْ وما وعدتْ
وما مواعيدُها إلا الأباطيلُ ... ... كانت مواعيدُ عرقوبٍ لها مثلاً
هذه هي أوصاف"سعاد"التي ذكر جمالها في المقطع السابق . وواضح هنا أنّ هذا الوصف لسعاد أقرب لوصف الدنيا وحالها ، دنيا الجاهلية وما حملت إليه من مصائب ( فجعٌ ) ، وغدر وكذب ( ولعٌ ) ، وإخلاف وتضليلُ . وكأنّه بلغه وصف القرآن الكريم للدنيا:
( يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئاً إنّ وعد الله حقٌّ فلا تَغرنّكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغرور ) [ لقمان: 33 ]
فكأنّه سمع هذه الآية وأمثالها في كتاب الله ، فقال:"فلا يغرنّك ما منّت وما وعدت"إنّها الدّنيا ، وإنّ هذا الوصف أقرب ما يكون للدنيا وفتنتها وغرورها ، وما فيها من أمانيّ وأحلام لا تزيد عن غرور وتضليل .
إنّ"سعاد"في هذه الأبيات وفي الأبيات السابقة واحدة ، استمرّ وصفها على الحالين ، ليمثّل كلّ من هذين الوصفين مرحلة مرّ بها كعب .