أحدها: أن معاهدة السلام المذكورة مفروضة على التأبيد وهو باطل كما ذكرت آنفا ، لأنها تفضي إلى ترك الجهاد المفروض ، كما قال تعالى ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) والله اعلم .
ــــ
الثاني: أنها تتضمن شروطا باطلة بإجماع العلماء ، منها التنازل عن ارض المسلمين لليهود إلى الأبد ، ومنحها إياهم بغير حق ، ومنها الدعوة إلى إسقاط العداوة مع اليهود ، وموالاتهم ، الأمر الذي حرمه الله تعالى وزجر عنه في القرآن أشد الزجر ، بل جعل من يواليهم مثلهم ، كما قال ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) .
ـــــ
الثالث: أن الذين وقعوا معاهدة السلام قادرون على محاربة اليهود ، حتى لو سلمنا أنهم لاطاقة لهم بحرب نظامية خشية أن الصليبيين سيقاتلون بكامل قوتهم المتفوقة مع اليهود ، لكنهم ـ أي الموقعون على معاهدة السلام ـ قادرون على حرب عدوهم بوسائل أخرى شتى ، منها دعم المجاهدين في فلسطين وإمدادهم بالسلاح ، ومنها منع النفط عن الدول المؤيدة لليهود ، ومنها المقاطعة الاقتصادية للدول الداعمة لليهود ، ومنها المقاطعة السياسة لها ، ريثما يتم الإعداد الشامل لجهاد العدو ، ومنه إعداد الأسلحة التي تكافئ ما عنده .
حتى لو فرض أنهم غير قادرين على ذلك كله ، الأمر المخالف للواقع ، فإنهم لامصلحة لهم في الجنوح للسلم ، فهم ينفعون أعداءهم بهذا الجنوح أكثر مما ينفعون الإسلام ، وبقاءهم في حالة حرب مع اليهود ، خير لهم وضرر محض على اليهود ، فلماذا إذن الجنوح للسلم ولا مصلحة فيه البتة .
غير أن هؤلاء الموقعين على معاهدة السلام ، جبنوا عن القيام بواجبهم ، وخلدوا إلى الأرض ، وركنوا إلى الشهوات ، وأحبوا الدنيا ، وكرهوا الموت في سبيل الله تعالى ، ثم زعموا أنهم لا يقدرون على قتال العدو ، وأن الله تعالى أباح لهم السلم معه ، وكذبوا ، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ، ولم يرد الله تعالى أن يرفعهم بالجهاد ، ولا أن يكرمهم بالشهادة ، لانهم نبذوا دين الله وراء ظهورهم ، ولهذا لم يزل أعداؤهم يفضحونهم بالإذلال ، ولم تزل الأمة ساخطة عليهم ، تلعنهم ما تعاقب الليل والنهار .
ــــــ
الرابع: أنه حتى لو فرض صحة هذه المعاهدة ، فإن اليهود سينقضونها ، وهاهم يفعلون ذلك كل يوم مرات لا تحصى ، بإهراقهم دماء المسلمين الأبرياء ، حتى من غير المقاتلة من الشيوخ والعجائز والأطفال والنساء ، وهدمهم البيوت ، واستمرارهم في بناء المستوطنات والإمعان في سرقة أرض المسلمين ، واغتيالهم قادة الفلسطينيين في داخل فلسطين وخارجها ، واليهود معروفون بنقض العهود وإخلافها ، كما قال تعالى ( أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ) 100 البقرة .
فإذن التعاهد مع اليهود تصرف أخرق لا قيمة له البتة لانهم لاعهد لهم أصلا .
والعجب كيف يدعو زعماء العرب إلى سلام مع الذين يقتلون أبناء المسلمين كل يوم أمام مسمع ومرأى العالم كله ، ساخرين من تلك الزعامات ، نابذين ما عاهدوهم عليه وراء ظهورهم .
ـــــ
الخامس: أن الذين قد تعاهدوا مع اليهود من الزعماء ، وكذلك الآخرون الذين عرضوا عليهم المعاهدة ، لم يحتكموا إلى أحكام الشريعة الإسلامية أصلا ، ولم يرفعوا بها رأسا ، لان منهم لا يقر بوجوب التحاكم إلى ما أنزل الله تعالى في هذه القضية ، ومنهم من لا يبالي وافقت المعاهدة شرع الله أم لم توافق ، ولهذا فهم لا يسألون العلماء أصلا ولا يدخلونهم في هذا الشأن ، مما يدل على أن آخر ما يفكرون به موافقة حكم الله تعالى ، كما أنهم لم يراعوا المصلحة الشرعية أيضا ، وإنما اجتمعوا مع الكفار ، وتحاكموا إلى أهواءهم ، وجعلوا عجزهم وجبنهم وركونهم إلى الدنيا وكراهيتهم للجهاد في سبيل الله ، جعلوا ذلك الأساس الذي بنوا عليه تلك المعاهدة الباطلة .
ــــــ
وبهذا يتبين أن معاهدات السلام المزعومة مع اليهود ، باطلة من أسها ، فاسدة من أساسها ، لاقيمة لها عند أمة الإسلام ، لأنها مخالفة لكتاب الله تعالى الذي حذر من التخاذل عن الجهاد لان في ذلك إلقاء باليد إلى التهلكة ، وينهى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، ,ولان فيها شروطا تناقض القرآن وقد قال صلى الله عليه وسلم ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ) رواه البخاري ، ومخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومخالفة لاجماع العلماء الذين نصوا على بطلان التنازل المؤبد عن أرض الإسلام للأعداء ، وأن العهد المؤبد الذي يقتضي منع الجهاد مع الأعداء منعا مطلقا ، باطل مصادم لشريعة الله تعالى مصادمة ظاهرة لا تحتمل التأويل .
ــــــ