فهرس الكتاب

الصفحة 26928 من 27345

ثم تأتي الآيات القرآنية تبين للذين لا يجدون القدرة على مؤونات النكاح والقيام بتكاليف الزواج بأن عليهم أن يسلكوا سبيل العفة حتى يهيء الله لهم من فضله مالاً يستطيعون به الزواج كما قال تعالى: ? وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ...? [ النور: 33] .

ويوجه النبي صلى الله عليه وسلم الشباب بالزواج لمن يقدر ويصف الصوم لمن عجز عن الزواج فقال:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"

ومما يساعد على العفة والابتعاد عن الأسباب التي تؤجج الشهوات وتوقع في الحرام ، غض البصر وعدم إطلاقه بشهوة لأن البصر هو الأداة الأولى لإثارة كوامن الجنس في النفس الإنسانية ومن روعة القرآن أنه يبين هذا الأمر بيان العليم بالطبيعة البشرية الخبير لها: ? أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ? [الملك: 14] .

وفي بيان الله لنا في القرآن الكريم ترغيباً بأن نرتقي بأنفسنا ونصعد بها من الابتذال والفوضى إلى السمو والطهر والعفاف قال تعالى: ? قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ? [ النور: 30-31] .

وهكذا نرى القرآن الكريم يعالج الفساد في علاقات الجنسين من بداية الطريق إلى نهايته، فلا يكفي أن يصون الإنسان نفسه عن لحظات الانحراف والسقوط والوقوع في الإثم بل عليه أن يمتنع عن المقدمات التي توقع في الإثم وذلك بصيانة النظر عن المغريات إذ النظر هو المدخل الأساسي لتسرب الشهوة إلى النفس وطغيانها.

والله الخالق العليم بخلقه يعلم بغرائز الإنسان، فمهما حاول المرء أن يكون شريفاً متسامياً فلا يملك أن يضبط نفسه أمام نظر مثير من مفاتن المرأة أو أمام نظرات مشحونة بالإغراء، أو حركات مليئة بالإثارة ولهذا السبب بين الله السبيل الذي يجنب من الوقوع في هذه الآفات بهذه الآيات الجامعة التي ذكرها ومن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال له:"يا علي لا تتبع النظرة النظرة ، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة"

بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم النظرات الشرهة من أحد الجنسين إلى الآخر زنا كما قال عليه الصلاة والسلام"العينان تزنيان وزناهما النظر"وإنما سماه النبي صلى الله عليه وسلم زنا لأنه نوع من التلذذ والإشباع للغريزة الجنسية بغير الطريق المشروع.

ولهذا نهى الله عباده عن النظرات الخائنة وحذرهم منها وأمرهم بغض أبصارهم كما قال تعالى: ? يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ? [غافر:19] وهي استراق النظر إلى مالا يحل، وقال مجاهد خائنة الأعين نظرها إلى ما نهى الله عنه.

وقال: ? قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ...? [النور:30] قال أبو حيان في تفسيره: قدم غض البصر على حفظ الفرج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور.. وهو الباب الأكبر إلى القلب، فإن النظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة إرادة ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولابد ما لم يمنع مانع ولهذا قيل:

كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر

والعبد مادام ذا عين يقلبها في أعين الغير موقوف على الخطر

يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرور عاد بالضرر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت