فهرس الكتاب

الصفحة 26936 من 27345

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عند هذه الآية: ( فإنه من لبس الحق بالباطل فغطاه به فغلط به لزم أن يكتم الحق الذي تبين أنه باطل إذ لو بينه زال الباطل الذي لبس به الحق ) .

ثانياً- الأغاليط والمغالطات:

قال في لسان العرب: ( المغْلطَة والأغلوطة: ما يغالط به من المسائل والجمع: الأغاليط ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات، قال الهروي: وأراد بها المسائل التييغالط بها العلماء ليزلوا فيهيج بذلك شر وفتنة ، وإنما نهي عنها لأنها غير نافعة في الدين ولا تكاد تكون إلا بما لا يقع ، ومثله قول ابن مسعود - رضي الله عنه -:( أنذرتكم صعاب المنطق ) يريد

المسائل الدقيقة الغامضة ) .

وقد أخرج أبو داود رحمه الله في سننه عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات [1] .

وروى كل من البخاري ومسلم حديث حذيفة المشهور في الفتن ، وفيه قول حذيفة: ( إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط ) [2] .

قال في الشرح: الأغاليط جمع أغلوطة وهي المسائل التي يغلط فيها والأحاديث التي تذكر للتكذيب ، ونقل الحافظ بن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم عند شرحه للحديث التاسع من أحاديث الأربعين النووية

قوله: وقال الحسن البصري: ( شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يعمون بها عباد الله ) .

وقال الأوزاعي: ( إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط ، فلقد رأيتهم أقل الناس علماً ) .

والحاصل مما ذكر أن المغاليط هي التي يثيرها المغالطون من صعاب المسائل أو المسائل التي لم تقع ، وذلك ليغالطوا بها العلماء ليزلوا فيعمون بها العباد ويهيج من ذلك شر وفتنة وتلبيس على الناس ، نسأل الله السلامة ..

[1] أبو داود كتاب العلم ح/8 .

[2] البخاري كتاب المواقيت ح/4 ، مسلم كتاب الإيمان

ولا تلبسوا الحق بالباطل

الصفحة 2 لـ 3

الموضوع الثاني

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد ..

إن الانحراف عن الحق والوقوع في الخطأ لا تعدوا أسبابه الفتن التالية:

1-فتنة الشبهات .

2-فتنة الشهوات .

3-فتنة الجمع بين الشبهة والشهوة لبس الحق بالباطل وكل انحراف أو ضلال أو خطأ سواء أكان صغيراً أو كبيراً لا يخرج في دوافعه عن الأسباب الثلاثة السابقة:

فإذا وقع العبد في مخالفة شرعية ، فإما أن يكون السبب في هذه المخالفة هو الجهل بها وعدم العلم بحرمتها، أو اشتبه الأمر عليه فحسبها مكروهة فقط ، فهذا الخطأ سبب الشبهة الناتجة من قلة العلم وضعف البصيرة .

وأما إذا كان لدى من وقع في المخالفة علم وبصيرة في دين الله بأنها محرمة ومخالفة للشرع ومع ذلك وقع فيها عمداً ، فإن الدافع لهذه المخالفة إنما هو الشهوة ، وضعف النفس ، ومثل هذا يقر ويعترف بمخالفته ومجانبته للصواب كما يعترف بذنبه وتقصيره .

أما إذا وقع في المخالفة عن شهوة وضعف ثم لم يعترف بذنبه وتقصيره ، وإنما راح يبحث عن شبهة شرعية أو تفسير خاطئ أو تأويل متعسف للأدلة ليبرر بها خطأه ويبرر بها ضعفه وشهوته مع علمه بخطأ تصرفه هذا في قرارة نفسه فهذا هو الهوى وهذه هي المغالطة وهذا هو لبس الحق بالباطل ، وهو أشنع أنواع الانحراف لأنه مكر وتحايل على شرع الله وخداع للناس .

إن أشد وأشر هذه الفتن من جمع بين الشبهة والشهوة وتحايل على شرع الله بأن غطى مخالفته وانحرافه بشبهة شرعية ، وهو يعلم أنه متحايل ومخادع ، ومثل هؤلاء الملبسين عقوبتهم عند الله عز وجل أشد من الذين يقعون في المخالفات الشرعية ولكنهم يعترفون بتقصيرهم وذنوبهم ، ولا يكابرون ، ولا يبررون ولهذا حذر النبي - صلى الله عليه وسلم- أمته من ارتكاب الحيل فقال ولا تركبوا ما رتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل [1] .

وهذه هي حقيقة لبس الحق بالباطل وحقيقة المغالطة ، إذ أن الدافع الحقيقي للانحراف هو الهوى والشهوة وحب الدنيا ، ولكن عوضاً عن أن يعترف بضعفه هذا وشهوته ، ويعترف بذنوبه في مخالفته للشريعة فإنه يستدل لشهوته هذه بشبهة شرعية يعلم هو في قرارة نفسه أنها لا تصلح للاستدلال ، لكن لابد من غطاء يغطى به هذا الضعف والهوى ، وإذا ذهبنا لنتعرف على وسائل التلبيس والطرق التي ينطلق منها الملبس في أغلوطاته نجدها لا تخرج في الغالب عن الأمور التالية

1-التأويل الفاسد واتباع المتشابه .

2-كتمان الحق وإخفاؤه .

3-تحريف الأدلة عن مواضعها ، وعدم إنزالها في مناطاتها ، وتفصيل ذلك فيما يلي:

1-التأويل وإتباع المتشابه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت