ومثل هذا لو عولج بالأدوية الحسية إن نفعت، فسيكون هناك وقت.. لكن هذا في الحال. وكذلك الأمراض النفسية كثيرًا ما تستعصي على الأطباء إذا عالجوها بالأدوية الحسية، ولكن دواؤها بالرقية ناجع ومفيد، وكذلك الأمراض العقلية، تنفع فيها الأدوية الشريعة، وقد لا تنفع فيها الأدوية الحسية.
ولذلك أريد منكم أيها الأطباء أن تلاحظوا هذا، وإذا أمكنكم أن تجمعوا بين الدواءين: الحسي والشرعي؛ فهو خير، حتى تصرفوا قلوب المرضى إلى التعلق بالله عز وجل وآياته، وحينئذ أحيلكم إلى الكتب المؤلفة في هذا الشأن، أن تطالعوها، وتحفظوها، وترشدوا إليها المرضى؛ لأن تعلق المريض بالله عز وجل له أثر قوي في إزالة المرض، أو تخفيف المرض.
أنواع الأدوية الحسية:هي نوعان:
الأول: ما تلقاه الناس من الشرع.
والثاني: ما تلقوه من التجارب.
فمما تلقاه الناس من الشرع:
التداوي بالعسل: فإن ذلك دواء شرعي، ودليله قوله عز وجل:يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ [69] } [ سورة النحل] .
ومنها:الحبة السوداء: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا مِنْ السَّامِ] رواه البخاري ومسلم. والسام: هو الموت.
ومنها: الكمأة: قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: [ الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ] رواه البخاري ومسلم.
وهذا أمر مسلّم يجب أن نؤمن به، حتى لو فرض أنه لم ينفع؛ فليس ذاك لقصور السبب، ولكن لوجود مانع منعنا من الانتفاع به؛ لأن الأسباب التي جاءت في الشرع قد تتخلف آثارها لوجود مانع.. لكن هذا أمر مسلم.
أما النوع الثاني من الأدوية الحسية، فهو ما تُلقي من التجارب: وهذا كثير حتى أنه يوجد الآن ممن لم يدرسوا الطب نظريًا من استفادوا بالتجارب، فكانت أدويتهم أحسن من الأدوية المعقمة التي صنعت على وجه صحي.
ولا يجوز أن ننكر هذا، وقد سمعنا في كثير من الإذاعات من اخترع أدوية عثر عليها من الأشجار والحشائش لم تكن معلومة من قبل وأثرها أكبر من أثر الموجود المستعمل.
كل هذا بقضاء الله وقدره، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: [ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً- دواء- عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ] رواه أحمد. لذلك أحيانًا يأتي الشفاء باستعمال دواء غير معلوم لهذا المرض، وهذا داخل في قوله: [ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ] . لكن ثقوا أن كل هذه الأشياء بقضاء الله وقدره، هو الذي أنزل هذا وجعل له دواء، وقد يرفع الداء بدون أن يكون هناك سبب؛ لأن الله على كل شيء قدير.
أخيرًا.. توصيات للأطباء:
1-إخلاص النيّة لله في عملكم: لا من أجل أن تحصلوا على الراتب والمكافأة والجاه..وما أشبه ذلك، ولكن من أجل أن ترفعوا الآلام والأمراض- بقدر الله على أيديكم- والإحسان إلى هؤلاء الذين تداوونهم، وبإخلاص النية يكون أثر العمل جيدًا، والعكس كذلك.
2-أن تحرصوا على تذكير الإنسان المريض التوبة والاستغفار وكثرة الذكر وقراءة القرآن: ولاسيما هاتين الكلمتين اللتين قال فيهما الرسول صلى الله عليه وسلم: [ كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ] رواه البخاري ومسلم. والمريض لن يتكلف، ولن يشق عليه أن يقول هذا، فوجهوه إلى أن يستغل الوقت.
3-تلقين من حضر أجله المرضى شهادة أن لا إله إلا الله: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ] رواه مسلم. ولكن التلقين يكون برفق، فلا تقل له: يا فلان قل لا إله إلا الله؛ لأن أجلك قد حضر! ولكن يمكن أن تذكر الله عنده، فإذا ذكرت الله عنده تذكر.
نعم إن كان كافرًا، تقول له: قل لا إله إلا الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم:
قال لعمه أبي طالب حين حضرته الوفاة: [ أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ] رواه البخاري ومسلم.
وقال للغلام اليهودي في المدينة وقد عاده النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حضر أجل الغلام، فعرض عليه الإسلام، فالتفت الغلام إلى أبيه كأنه يستأذنه، فقال له:أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ] رواه البخاري.