لقد صار بعض المسلمين يتصور أن قضية التوحيد قضية جدلية فلسفية بحتة، وأضرب لكم أمثلة سريعة حول هذا ثم أعود إلى موضوع الحديث، من أسس عقيدة التوحيد أن لا إله إلا الله وهذا يعني أن لا أحد يستحق العبادة ولا الخضوع غير الله سبحانه وتعالى، عبادته عز وجل بشعائر التعبد والخضوع له سبحانه وتعالى، والتشريع والتعظيم إنما هو حق لله سبحانه وتعالى، إن قضية لا إله إلا الله حينما تضعها على بساط النقاش المعرفي الجدلي البحت تراها واضحة مقررة عند المسلمين، لكنك ترى هذا قد يخضع لغير الله سبحانه وتعالى، ويتوجه بقلبه لغير الله سبحانه وتعالى، إنه يخاف من المخلوقين ويحسب ألف حساب للمخلوق، وهو نفسه الذي يقّر بعقيدة التوحيد وبأن الله سبحانه وتعالى هو الذي ينبغي أن يُخاف ويخشى ويرجى عز وجل.
ولئن كان العلم النافع لا بد أن يترك أثره على صاحبه، فكيف بالعلم بالأسماء والصفات الذي هو من أشرف العلوم، قال ابن العربي رحمه الله:"شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، والعلم بأسمائه أشرف العلوم".
وقال ابن القيم - رحمه الله -:"وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده، فوجود سواه تابع لوجوده، تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم به أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم، إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى، ولهذا لا تجد فيها خللاً ولا تفاوتاً؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله، إما أن يكون لجهل به، أو لعدم حكمته، وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض".
منزلة الأسماء والصفات بين أبواب التوحيد
لو سألت أي شخص عن أنواع التوحيد لقال: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات ولو تصفحت أحد كتب العقيدة لوجدت أن الأسماء والصفات تأخذ حديثاً واسعاً، بل إن هناك طوائف منشأ وجودها وخلافها مع أهل السنة خلافها في الأسماء والصفات.
أولاً: منزلتها من القرآن
حين تتأمل كتاب الله عز وجل لا تكاد تفقد الحديث عن الأسماء والصفات؛ ففي سورة من السور أو صفحة من الصفحات تجد أحياناً سرداً لأسماء الله عز وجل وصفاته وحديثاً عن عظمة الله سبحانه وتعالى، وأحياناً تأتي تعقيباً على آية من الآيات في وعد أو وعيد أو حكم شرعي، أو حديث عن المكذبين الضالين، أو عن أنبيائه ورسله، فلماذا هذا الحديث المستفيض في القرآن الكريم عن الأسماء والصفات؟
أليس هذا موحياً بأهمية الأمر؟ ثم أليس هذا موحياً بأن هناك واجب آخر وأن هناك أثر آخر لقضية الإيمان بالأسماء والصفات ينبغي أن نعينه؟ وألا نقف عند مجرد الإثبات وحده، وهو أمر مهم، بل الانحراف فيه ضلال.
ثانياً: الإيمان بالأسماء والصفات
الإيمان بالأسماء والصفات عند أهل السنة يتضمن إثبات معناها، فهي معلومة المعنى مجهولة الكيف، ولهذا حكموا بضلال أهل التفويض الذين يقولون إن المعنى مجهول أو إن ظاهرها غير مراد.
إنك حين تسأل مسلماً عاميًّا لا يقرأ ولا يكتب،وتقول له إن الله سبحانه غفور حليم تواب رحيم، فهل يعرف من هذه الكلمة معنى أنه عز وجل شديد العقاب، وأن بطشه شديد؟ ألا يفهم من هذا فهماً يترك أثراً على نفسه بغض النظر عن قدرته عن التعبير الدقيق عما فهمه؟
وحينما يسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم:"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟"ألا يفهم منه معنى معيناً؟ اقرأ هذا الحدييث على أحد العامة، وانظر أثره على نفسه.
فإذا كان إثبات معاني الأسماء والصفات على ما يليق بجلال الله عز وجل من واجبات المسلم و داخلاً ضمن اعتقاد أهل السنة، فالمعنى ينبغي أن يكون له أثر على من يؤمن به.
ثالثاً: ختم الآيات بالأسماء والصفات