نجد الآيات كثيراً ما تختم بالأسماء والصفات، وهي تختم ختماً مناسباً بمعنى ما دلت عليه الآية، ويحكون أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ قول الله عز وجل: [والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم] فقال هذا الأعرابي لست قارئاً للقرآن ولكن عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع، ولهذا تجد ختم الآية مناسب لمعناها، قال عز وجل: [قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير] ،وفي آية الزكاة يقول الله عز وجل: [إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم] ،وهذا الختم فيه مناسبة ظاهرة كما في آية الفرائض [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ..] ختمها عز وجل بقوله: [آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً فريضة من الله إن الله كان عليماً حكيماً] ، فحين يقرأ أحد هذه الآية فقد يتساءل ولم يعط الابن أكثر من الأب، ولم يفضل الذكر على الأنثى؟ لكن حين يسمع قوله عز وجل: [آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً فريضة من الله إن الله كان عليماً حكيماً] ،يشعر أن الله اتصف بصفة العلم والحكمة سبحانه وتعالى، وهو سبحانه يضع الأشياء في مواضعها.
وحين قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: [ليس لك من الأمر شئ ] تعقيباً على دعائه صلى الله عليه وسلم على الذين شجوا رأسه صلى الله عليه وسلم ختمها عز وجل بقوله: [يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم] ،بينما قال في سورة المائدة: [يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير] ، فهذا السياق يختلف عن ذاك، ولهذا ختمت الآية بهذه الصفة وهناك ختمت بذلك الاسم.
إذاً ختم الآيات بالأسماء والصفات يعطينا دلالة على الارتباط بين الاسم والصفة، وبين ما سبق في الآية، ثم تجد عجباً حينما تتأمل الفرق بين ما قد يبدو لنا أنها مترادفة وليست كذلك، فأحباناً يأتي (غفور رحيم) وأحياناً (غفور حليم) وبينهما فرق دقيق، وأحياناً ( عليم حكيم) وأحياناً (عليم حليم) ،ولو قرأت في كتب التفسير لوجدت عجباً في ذلك .
رابعاً: الأمر بالدعاء بها
لقد أمر الله تبارك وتعالى عباده بأن يدعوه بأسمائه فقال: [ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه[، وفي القرآن الكريم في مواضع عدة أخبر الله سبحانه وتعالى عن جمع من أنبيائه أنهم يدعونه عز وجل بأسمائه وصفاته، قوله تعالى:] وأيوب إذ نادة ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين] ،ودعاء يونس عليه السلام: [لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين] . ونرى ذلك في السنة فيما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من أدعية دعا بها أو أمرنا أن ندعو بها، نجد كثيراً من هذه النصوص فيها الدعاء بالأسماء والصفات، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك .."، والدعاء نوعان: دعاء ثناء، ودعاء مسألة، فحينما يقول المسلم:"أمسينا وأمسى الملك لله …"فهذا دعاء لكنه دعاء ثناء على الله سبحانه وتعالى .
والدعاء بأسماء الله وصفاته ينبغي أن يتناسب مع ما يدعو به المسلم، كما قال ابن العربي:"يطلب بكل اسم ما يليق به، تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رزَّاق ارزقني، يا هادي اهدني".
وقال ابن القيم::"يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضياً لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلاً بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل وجدها مطابقة لهذا".
والدعاء بالأسماء الحسنى والصفات العلى له آثار على المسلم، ومنها: الثناء على الله عز وجل بين يدي الدعاء له سبحانه،"ولا أحد أحب إليه الثناء من الله عز وجل"كما قال صلى الله عليه وسلم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم في كل خطبة يبدأ بحمد الله والثناء عليه، فالمسلم حينما يدعو الله بأسمائه يثني على الله عز وجل ويتوسل بين يدي الدعاء بعمل صالح يقربه إلى الله عز وجل.
ثانياً: الأثر النفسي على الإنسان حينما يدعو بهذا الاسم، فهذا يدعوه إلى اليقين بالإجابة، واليقين بالإجابة سبب من أسباب استجابة الدعاء، تأمل دعاء الاستخارة"اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، الله إن كان هذا الأمر خير لي …"،فحين يستخير المسلم ويدعو هذا الدعاء، سيتبرأ من حوله وقوته، ويشعر أنه سلم نفسه بين يدي الله عز وجل، وحينها سيشعر أنه محتاج لدعاء الله ومحتاج لأن يختار الله له، ومحتاج لتوفيق الله وعونه، لأن الله يقدر وهو لا يقدر، ويعلم وهو لا يعلم وهو صاحب الفضل سبحانه وتعالى.