قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تجادل النبي صلى الله عليه وسلم وهي في طائفة الحجرة وأنا أسمع ثم نزل قول الله: [قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها...] وفي السورة نفسها يقول تعالى: [ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا] ، حينها يعرف المسلم أن أي كلمة سيقولها سيسمعها الله، ويعلم أن الله لا تخفى عليه خافية [سواء منكم من أسر القول أو جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار] ،فلا يمكن أن يتجرأ على المعصية حين يخلو ولا يراه أحد لأنه يعلم أن سبحانه يراه، يقول الشاعر:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني
فحين يستشعر المسلم هذه المعاني يراقب الله، ويعلم أن الله سبحانه لا تخفى عليه خافية.
أختم هذا الحديث بكلام طويل لابن القيم حول هذا المعنى يقول بعد أن تحدث عن ألوهية الله عز وجل وما في ذلك الشهود الغنى التام:"وليس هذا مختصًّا بألوهيته تعالى فقط، بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الله سبحانه يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديته؛ فمن شهد علو الله على خلقه وفوقيته على عباده واستواءه على عرشه كما أخبر بها أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمد يعرج إليه مناجياً له مطرقاً واقفاً بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز؛ فيشعر أن كلمه وعمله وعلمه صاعد إليه معروض عليه مع أوفى خاصته وأوليائه؛ فيستحي أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء والعطاء و المنع والخفض والرفع وكشف البلاء وإرساله إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي يتصرف فيها سواه، فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج فيه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية استغنى به، وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال بل أحاط بذلك علمه علماً تفصيليًّا ثم تعبّد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته وجميع أحواله وعزماته وجوارحه علم أن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإرادته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية بادية لا يخفى عليه فيها شيء، وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه سبحانه وتعالى لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها وسواء عنده من أسر القول أو جهر به لا يشغله جهر من جهر عن سمعه صوت من أسر، ولا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها بل هي عنده كلها كصوت واحد، كما أن خلق الخلق وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة. وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير جل جلاله الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ومخها وعروقها وحركتها ويرى مد البعوضة جناحها في ظلمة الليل، وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية تيقن أنه بمرأى منه سبحانه ومشاهدته لا يغيب عنه منها شيء. وكذلك إذا شهد مشهد القيومية الجامع لصفات الأفعال وأنه قائم على كل شيء وقائم على كل نفس بما كسبت، وأنه تعالى هو القائم بنفسه المقيم لغيره، القائم عليهم بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء المحسن وجزاء المسيء إليه، وأنه بكمال قيوميته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، ويُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، لا تأخذه سنة ولا نوم ولا يضل ولا ينسى"إلى آخر كلامه- رحمه الله -.
والمقصود أن هذه الأسماء الحسنى الصفات العُلى لله سبحانه وتعالى ينبغي أن تترك أثراً في نفوسنا وفي أعمالنا وفي سلوكنا، وأن نشعر أن من كمال التعبد لله سبحانه وتعالى لهذه الأسماء والصفات أن نًصِفَ الله سبحانه بها كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، وأن ننزهه عن مشابهة خلقه، ومع ذلك أيضاً نتعبد الله سبحانه وتعالى بمقتضى هذه الأسماء والصفات؛ فالذي يعرف أنه هو الرازق ذو القوة المتين لا يمكن أن تطمح عينه إلى ما حرم، أو أن يخشى من غيره أن يقطع رزقه.
هذا ما تيسر أن نقوله بين يدي هذا الأمر، والأمر أوسع وأعظم وأجل من أن تحيط به لغة البشر القاصر والعبد المذنب المسيء، لكن هذه محاولة أن نتأمل بعض ما يجب علينا تجاه أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته عز وجل .