فهرس الكتاب

الصفحة 27154 من 27345

وعندما أمره باتباع وحيه أمره بالصبر على ذلك حتى يحكم الله: ? وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ? [يونس:109] وبين سبحانه أن نصره لبني إسرائيل على فرعون كان بسبب صبرهم: ? وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ ? [الأعراف:137] .

وعد الله الصابرين في زمرة المتقين والصادقين: ? وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ? [البقرة:177] وبعد المعارك الطويلة التي دارت رحاها في في آل عمران أمرنا في نهاية السورة ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?.

ولاحظ معي أن لفظ وصابروا يدل على المفاعلة على الأخذ والجذب، أي: أنه صبر إيجابي لا صبر سلبي.

وفي زمن الاستضعاف وتمكُن أعداء الله منا أُمرنا بالصبر على آذاهم وعدم قتالهم حتى يمكنا الله ونطهر ديننا: ? لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذىً كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ? [آل عمران:186] .

يقول ابن تيمية:"فأما قبل براءة وقبل بدر فقد كان ـ أي: الرسول صلى الله عليه وسلم ـ مأموراً بالصبر على آذاهم والعفو عنهم، وأما بعد بدر وقبل براءة فقد كان يقاتل من يؤذيه ويمسك لسانه عمن سالمه، كما فعل بابن الأشرف وغيره ممن كان يؤذيه. فبدر كانت أساس عز الدين وفتح مكة كان كمال عز الدين، فكانوا قبل بدر يسمعون الأذى الظاهر ويؤمرون بالصبر عليه وبعد بدر يؤذون في السر من جهة المنافقين وغيرهم ويؤمرون بالصبر عليه، وفي تبوك أمروا بالإغلاظ على الكفار والمنافقين فلم يتمكن بعدها كافر ولا منافق من آذاهم في مجلس خاص ولا عام، با مات بغيظه لعلمه بأنه يُقتل إذا تكلم."

فكان ذلك عاقبة الصبر والتقوى اللذين أمرهم بها في أول الأمر وكان ذاك لا يؤخذ من أحد من اليهود الذين بالمدينة ولا غيرهم جزية، وصارت تلك الآيات ـ أي: آيات الصبر على أذى الكفارـ في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه فينصره بما يقدر عليه من القلب ونحوه.

فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر .." [تقريب الصارم المسلوم على شاتم الرسول لابن تيميه: صلاح الصاوى:117-118] ."

6-الذكر:

وربما ينفد زاد الصبر فيكون التسبيح هو الذي دائماً يملؤه.

لذلك قال تعال رابطاً بين الصبر والتسبيح: ? فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ? [طه:130] .

وقال: ? فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ?39 ? وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ? [ق:39-40] .

فالذكر هو الزاد الدائم والرابط بين الإنسان والقوى العظمى في الكون، لذلك نرى أن المؤمنين قبل أن يخوضوا أي معركة يستقبلونها بالذكر، قال تعالى: ? وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ?250 ? فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ ? [البقرة:250-251] .

وقال أيضاً: ? وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ?146 ? وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ? [آل عمران:146-147] .

وقال تعالى مبيناً زاد الثبات في المعركة: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ? [الأنفال:45] .

وما انتصر الحبيب صلى الله عليه وسلم في بدر حتى وقع رداؤه من على منكبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت