الخطأ يا أبت لايخلو منه بشر فهو صفة ملازمة للإنسان، فكيف بالشاب الصغير؟ ومن واجب الأب أن يصحح خطأ ابنه، وأن يوقفه على أخطائه، والجميع يوافقه بل ينتظر منه ذلك.
ولكن ألا تشعر يا أبت أن أسلوبك في معالجة الخطأ يحتاج إلى بعض المراجعة فهل يسوغ أن لاتترك صغيرة أو كبيرة إلا واجهتني بها؟ ثم لماذا تعالج الأخطاء بالقسوة دائماً؟ كثيرة هي المرات يا أبت التي أتلقى فيها ضرباً مبرحاً، أو لوماً عنيفاً، أو صداً وإعراضاً، والسبب خطأ تافه لايستحق مجرد الوقوف عنده، بل يا أبت إن بعض المواقف لاأكتشف خطئي فيها، أو لاأقتنع أن مافعلته خطأ فضلاً عن أن يصل إلى حد العقوبة.
ما رأيك يا أبت لو تم علاج الخطأ من خلال المناقشة الهادئة، والإشارة، والتلميح، والتغاضي عن بعض الأخطاء أحياناً، ألا تتصور يا أبت أن هذا أولى؟
وأود أن تطرح على نفسك هذا التساؤل: هل المقصود من الإجراء الانتقام لأني أخطأت ؟ أم المقصود التخلص من الخطأ وتجاوز آثاره ؟. وعلى ضوء الإجابة يتحدد الأسلوب الأمثل في معالجته. ويؤسفني يا أبت إن قلت لك إني مع يقيني أن مقصودك علاج الخطأ. إلا أن أسلوبك يشعرني أن المقصود هو الأول.
القسوة والغلظة يا أبت:
وتصور يا أبت أن بعض الآباء يسجن ابنه في دورة المياه أعزك الله، والآخر قد جهز غرفة في المنزل لسجن ابنه حين يقع في الخطأ، والثالث قد أعد سلسلة من الحديد يربط فيها ابنه حين يقع في الخطأ.
أما الضرب المبرح والقاسي فهو لايخفى عليك سنة يمارسها الكثير من الآباء.
إنك توافقني يا أبت أن هذا السلوك ينتج ابناً عدوانياً، متبلد الإحساس، ينظر إلى والده نظرة الكراهية والاشمئزاز، ويتمنى فراقه بأي وسيلة ولو كانت الوفاة يا أبت.
والبديل لذلك يا أبت ليس هو التدليل وترك الحبل على الغارب كما لايخفى عليك يا أبت.
الرحمة والحنان يا أبت:
لست أدري أين يذهب هؤلاء عن قول معلم البشرية ومربي الأمة"إنما يرحم الله من عباده الرحماء"وقوله:"من لايرحم لايرحم"وقوله:"الراحمون يرحمهم الرحمن"وقوله:"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً بهم فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه".
وقوله في الثناء على النساء:"خير نساء ركبن الابل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده".
حفظت يا أبت في عمدة الأحكام أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامه بنت ابنته زينب.
وجاء الحسن يتعثر في ثوبه وهو صلى الله عليه وسلم يخطب فينزل من المنبر ويحمله ويقول:"إن ابني هذا سيد وسوف يصلح الله به بين طائفتين من المسلمين"كم هو عظيم ذاك القلب الرحيم الذي يرعى حق الذرية ويحسن إليهم حتى وهو يحمل عبء الرسالة والدعوة، وحتى وهو يصلي بالناس، أو يخطب فيهم. أقول لك يا أبت إني مع الاعتذار الشديد كنت أحتاج إلى هذه المعاني فهلا استدركتها في حق إخوتي الصغار.
المكافأة:
قرأت يا أبت في مستدرك الحاكم أن ابن عباس رضي الله عنه وضع للنبي صلى الله عليه وسلم وَضوءاً فقال له:"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
أورد الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث عن النضر بن الحارث قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: قال لي أبي: يابني اطلب الحديث فكلما سمعت حديثاً وحفظته فلك درهم فطلبت الحديث على هذا.
ليس بالضرورة أن يكون الثواب مالاً، بل الثناء الحسن، بل السؤال وحده كاف ليمنح التشجيع والحث، كم مرة يا أبت استخدمت هذا الأسلوب مع ابنك ؟ كم مرة سمع منك الثناء والتقدير ؟ فضلاً عن المكافأة ؟ وهل يمكن أن نضع ثوابك وعقابك في كفتين ؟.
الفجوة الحضارية يا أبت:
لقد عشت يا أبت في جيل وعصر له ظروف وملابسات، وتبدلت الأحوال، وتقلبت الأمور بعدك يا أبت، فها نحن نعيش في عصر جديد، تختلف موازينه، ومتغيراته، وقيمه. عشت يا أبت في بيئة محافظة في قريتنا العامرة لاتعرف إلا الخير والفضيلة، ولاترى ما وراء أسوار القرية، لكن نجلك يا أبت قد عاش في عصر آخر، عصر عمت فيه الفتن، وازدادت فيه المغريات، وأصبحت يا أبت أستيقظ وأصبح وأمسي عليها. لقد كان غاية ماتعترض له يا أبت من فتنة امرأة ترتدي عباءتها وتسير تحت الحائط قد أثر في جنبها من التصاقها به، أما أنا يا أبت، فحين أخرج من المنزل تقابلني يفوح العطر منها وقد أبدت مفاتنها، وأخرج بعد ذلك للمدرسة فأجلس مع زملائي فأسمع منهم من الأحاديث مايثير الغافل، ويوقظ الساهي، وأعود إلى المنزل فأراها أمامي على الشاشة فاتنة سافرة، تتكسر وتتغنج، وحين أذهب إلى المحل التجاري أرى المجلات وقد زينت أغلفتها بهذه الصور، أما جهاز الفديو يا أبت فلايخفى عليك مافيه، ويجهز علي مابقي جهاز الاستقبال الذي أصبح يعرض أمام ناظري قنوات العالم بأسره. هذا ما أواجهه يا أبت وهذا ما أعاني منه.
فهل لازالت بعد ذلك يا أبت تعاملني بعقلية العصر الذي عشته وألفته.
فارق العمر يا أبت:-