بل أحياناً يا أبت تحملني ما لم أتحمل؛ ففي ذات مساء أمرتني أن أحضر الطيب للضيوف فذهبت إلى أمي فوجدته لم ينته بعد وعدت إليك، ألم يكن لديك بديل عن التأنيب لي ولأمي ؟ أو ليس الأولى أن تقدر في نفسك أنه لما ينته بعد؟ وهب أنه تأخر لدقائق وما ذا في الأمر؟ أعتذر لك يا أبت عن الاستطراد في هذه الأمثلة لأقول لك بعد ذلك ألا تتصور أني إنسان أحمل مشاعر وأحتاج كغيري للاحترام والاعتراف بشخصيتي ؟
لقد حفظت يا أبت في عمدة الأحكام أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتذر لأحد أصحابه حين أهدى له صيداً وهو محرم، فلما رأى مافي وجهه دعاه، واعتذر له وقال:"لم نرده عليك إلا أنا حرم".
أعطني جزءاً من وقتك يا أبت:
كم هما شخصيتان متخلفتان يا أبت، شخصية أبي حين يكون مع أصحابه وزملائه يتحدث وإياهم بكل انبساطة وسعة بال، وقد علته ابتسامة مشرقة، والشخصية الثانية لأبي نفسه حين يجلس معنا فلا نراه إلا على وجبة الطعام، والسكوت قد خيم على الجميع لايقطعه إلا الأوامر التي ترد منه تارة وتارة. أما أن يصحبنا في نزهة، أو يباسطنا الحديث، أو يسأل عن أحوالنا فهذا ما لايمكن. إني حين أراك يا أبت مع أقرانك يؤسفني أن أقول إني أحدق النظر فيك، وأعيده مرة وأخرى. أهذا هو أبي فعلاً. لقد كنت أشعر أني يتيم حين حفظت في المدرسة:-
ليس اليتيم من انتهى أبواه من *** هم الحياة وخلفاه ذليلاً
إن اليتيم الذي تلقى له*** أماً تخلت أو أبا مشغولاً
يا أبت أقترح عليك أن تمسك ورقة وقلماً وتسجل فيه كم ساعة تقضيها في العمل الرسمي من وقتك ؟ ثم كم ساعة للراحة ؟ وكم ساعة للزملاء ؟ وكم ساعة لمشاغلك الخاصة ؟ وأخيراً كم ساعة لتربية أبنائك ؟ أخشى أن تجد إجابة مزعجة يا أبتك أخبرك عنها سلفاً لأني أعرفك جيداً. ستجد أن وقت التربية - إن استطعت أن تحسبه - لايمثل إلا نسبة تافهة من وقتك لاتسحتق الذكر. هل فكرت ياأبي أن تقرأ كتاباً أو تسمع شريطاً عن التربية وأسسها. أهكذا قدر أبنائك عندك ؟ وقيمتهم لديك ؟
يا أبت لقد دعاني ذلك أن أمنح زملائي الثقة المفرطة، وأن أستأمنهم على مشكلاتي، وأستشيرهم في أموري، وأستأمرهم في قراراتي، مع أنني أدرك أن أبي أكثر خبرة، وأصدق لهجة، وأعمق نصحاً من زملائي، لكني لاأجد الوقت المناسب له لأفاتحه الحديث، ولو وجدت الوقت لكانت أمامي العقبة الآتية:
المصارحة يا أبت:
لقد حدثتني نفسي مرة يا أبت أن أصارحك ببعض مشكلاتي ومعاناتي حين كنت وإياك على مائدة الطعام وقد سيطر عليها الصمت المطبق كالعادة، ولكني لم أستطع لأني أعرف أن الجواب سيأتيني قبل أن أكمل حديثي، لأني أعرف أني لن أعطى الفرصة للحديث، ناهيك عن أن تناقش مشكلتي بهدوء وتجرد وبموضوعية بعيدة عن التشنج والغضب.
يا أبت ألا توافقني أن الابن يحتاج إلى أن يفتح الأب له صدره، حتى يفضي له بما يريد، ويشكو له مما يعاني؟ وأن لغة النقد والتشنج تقضي على كل حماسة منه للمصارحة يدفعه لها حرارة المشكلة؟
الواقعية يا أبت:
كم مرة يا أبت دعوتني وأنا خارج من المنزل لتكلفني بإيصال أهلي، أو إحضار طلب معين لك، فأخبرك أني على موعد مع أصحابي، فأطلب فرصة للاعتذار منهم على الأقل، أو أطلب تأخير طلبك لوقت آخر وهو قابل للتأخير. فلا ألقى منك إلا الزجر والتأنيب.
يا أبت: لاشك أن من حقك أن لاأتردد في تلبية أمرك، وأن لاأقدم عليك أحداً؛ لكن ألا توافقني يا أبت أنك لو كنت تعاملني بمرونة أكثر فتخبرني بطلبك قبل وقت كاف، وتسألني عن الوقت المناسب لي، وتؤخر لي أحياناً ما يحتمل التأخير، ويبقى قدر بعد ذلك لايتسع له هذا المجال يمكن أن أضحي فيه، أما أن يكون هذا هو القاعدة فقديماً قيل إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع، ألا ترى يا أبت أن هذا الأسلوب يشعرني بالاحترام والتقدير، ويشعرني بالثقة في النفس، ويدعوني لأداء ماتطلبه بنفس راضية مطمئنة؟
الخوف والجبن:
إننا يا أبت أمة رسالة، أمة جهاد في سبيل الله، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، ومن لم يغز أو يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق، أليس من حقي عليك يا أبت أن تربي لدي الشجاعة، وعدم الخوف مما سوى الله سبحانه وتعالى؟
أترى أن أساليب التخويف في الصغر من الهر.... من اللص.... من العفاريت.... من عامل النظافة...- ولايتغير حين يتقدم بي السن إلا الأسلوب فقط - أترى أن هذه الأساليب تخرج شاباً مؤهلا ً لحمل الرسالة، والجهاد في سبيل الله والتضحية لأجله سبحانه؟ وهل تظن يا أبت أنت أو أمي أن مثل ذلك سيخرج أمثال خالد بن الوليد، أو صلاح الدين، أو نور الدين الشهيد؟
لقد كانت الشجاعة مضرباً للمثل في الثناء والمدح عند العرب، يربون أبناءهم عليها، ويغرسونها فيهم، ويعير أحدهم بالجبن. أفينكل عنها من اختارهم الله ليكونوا حملة الدين والرسالة؟
كيف يعالج الخطأ: