قال مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: كان سعد يعلمنا خمساً يذكرهن عن النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر"رواه البخاري.
قال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول يابَني إنها شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها.
يا أبت: قال ابن سحنون في كتابه آداب المعلمين عن القاضي الورع عيسى بن مسكين أنه كان يقرئ بناته وحفيداته. قال عياض: فإذا كان بعد العصر دعا ابنتيه، وبنات أخيه ليعلمهن القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله أسد بن الفرات بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة.
لقد كان السلف يا أبت يعنون بتعليم أبنائهم وتوجيههم ومن ثم حفظ لنا التاريخ الوصايا الكثيرة التي تلقوها من آبائهم. روى الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع أن إبراهيم بن الحبيب بن الشهيد قال: قال لي أبي: ائت الفقهاء والعلماء وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إلي من كثير من الحديث.
وحين سافرت يأبت مع أستاذي في رحلة مدرسية عشت فيها جواً أستذكر طيفه وخياله كل يوم، فكنت أسمع التوجيه، والموعظة، والتأديب، والفائدة من أستاذي بلغة التعليم، والتربية. مما كنت لا أسمعه من أبي وللأسف. ومما حفظته في المدرسة يا أبت:_
عود بنيك على الآداب في الصغر ***كيما تقر بهم عيناك في الكبر
فإنما مثل الآداب تجمعها*** في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر
يصلح إذا كبر:
كنت أقدم الشاي يوماً للضيوف وأسمع بالطبع مايدور بينكم من نقاش كان يهمني بدرجة كبيرة لأنه حديث عنا معشر الأبناء. وصدمت بتعليقك: ( يكبر حين يصلح... هكذا الشباب... وقد كنا نحن في الصغر كذلك حتى هدانا الله... ) وقلت في نفسي نعم تقول كنا كذلك لأنك للأسف يا أبت لم تعلم ماذا نصنع، ولاتدري ماذا نمارس، ولو علمت بذلك كان لك منطق آخر ولغة أخرى، وقد تساءلت بمرارة يا أبت عن هذا المنطق يكبر حين يصلح، فمن يضمن ذلك، ولم لايكون البديل يزداد إيغالاً في السوء والانحراف؟ ثم هل تضمن له أن يكبر يا أبت ؟. أتذكر قبل شهرين حين توفي اثنين من زملائي تغمدهم الله برحمته، وبعدهم بأسبوعين توفي اثنان كذلك، ولم تتصور أن ابنك لن يكون كهؤلاء فيتخطفه الأجل قبل الموعد الموهوم الذي تنتظر أن يتوب فيه.
أزمة الثقة:
أجد يا أبت فرقاً شاسعاً بين ما ألقاه منك من تعامل حين أكون مع الناس، وبين مافي الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام:"أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟"فقال الغلام: لا والله يارسول الله لاأوثر بنصيبي منك أحداً، فتله - أي وضعه - رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى الشيخان يا أبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه:"من الشجر شجرة لايسقط ورقها ومثلها مثل المسلم فحدثوني ماهي؟"فذهب الناس في شجر البوادي وكان ابن عمر أصغر القوم فاستحيا أن يقول إنها النخلة، وحين أخبر أباه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا.
يا أبت لقد تجرأ ابن عمر رضي الله عنه أن يحدث أباه بعد ذلك بما دار في نفسه، وشجعه أبوه رضي الله عنه على أن يكون قالها، وفي الوقت نفسه لم يعاتبه ويوبخه على عدم قوله لها.
كنت أقرأ في التاريخ يا أبت عن سيرة أسامة بن زيد رضي الله عنه، وعبدالله بن عمر، والأرقم بن الأرقم، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من شباب الصحابة الذين كانت لهم أدوار محمودة في تاريخ أمتهم، وفكرت يوماً من الأيام أن أتطلع لأكون مثلهم، وأقتدي بهم. لكني وجدت أن أبي قد رباني على أني لست مؤهلاً إلا لإيصال الأهل للسوق، وإحضار الخبز للمنزل؛ حتى الفاكهة لست مؤهلاً لشرائها من السوق، فضلاً عن الذبيحة، ومع ذلك لست مؤهلاً لاستقبال الضيوف، أو الجلوس معهم إلا حين أقوم بتقديم القهوة والشاي فقط.
ألا ترى يا أبت أن هذا قد أدى إلا طمس الثقة بنفسي حتى أصبحت أشعر أني لست مؤهلاً لأي دور في الحياة.
مشاعري غالية يا أبت:
أتذكر يا أبت حين كان الضيوف لديك فأحضرت الشاي، وتعثرت في الطريق، أتذكر كلمات التأنيب أمام عمومتي وأقاربي؟ إن كنت نسيتها فإن الصافع ينسى مالاينساه المصفوع، وهل تتصور أني نسيت يا أبت حين قدمت إليك وقد أخفقت في امتحان الدور الأول في حين نجح إخوتي وفي مجلس قريب من المجلس نفسه فلقيت من الانتقاد والسخرية منك ما لقيت؟ وهل تريدني أن أنسى ذاك التأنيب القاسي الذي وجهته لي أمام زملائي وأصحابي؟