فهرس الكتاب

الصفحة 27163 من 27345

جليس السوء يا أبت كنافخ الكير كما شبهه صلى الله عليه وسلم وليس من وصف أبلغ من هذا الوصف. لقد كنت يا أبت تنهاني فعلاً عن جليس السوء لكني اكتشفت فيما بعد أن مفهوم السوء يحتاج إلى تحرير وتحديد. لقد سألتني عن صديقي محمد فقلت لك إنه ابن فلان، فقلت: نعم الرجل والده فقد كان صاحباً لي وخيِّراً، وكأني يا أبت سوف أصاحب والده، ومحمد يا أبت من أسوأ الشباب الذين صحبتهم، وأبناء خالي كانوا لايقلون عنه سوءاً، وقد كان لهم عظيم الأثر علي في مقتبل حياتي، ومع ذلك كانت قرابتهم هي المؤهل الوحيد لديك لتزكيتهم.

إن القرابة يا أبت، ومعرفة والد الصديق ليست معياراً في صلاحه.

السيارة يا أبت:

يا أبت لاأنسى ذاك اليوم الذي سلمتني فيه مفتاح السيارة، ومعه بعض الوصايا العاجلة، لقد فرحت بها، وقدرت لك الموقف في حينه، وكنت أقدم لك مايرضيك للحصول على هذا المطلب، وبعد أن تقدم بي العمر اكتشفت يا أبت، أنه كان الأولى أن يتأخر هذا القرار.

معذرة يا أبت إن قلت لك إنك اشتريت السيارة استجابة لضغط أمي وإلحاحها، وثانياً لأكفيك أمور المنزل وحاجات الأهل، إن من حقك يا أبت أن تبحث عما يرضي ابنك، ومن حقك تجاه ابنك وواجبه نحوك أن يكفيك مؤنة المنزل وأعباءه؛ لكن ذلك ينبغي أن لايكون على حساب التربية يا أبت.

نعم أقولها يا أبت وبكل أسف لقد كنت قبل أن يهديني الله أذهب بسيارتي إلى حيث مالايرضي الله، دون أن تعلم أبت أين أذهب، أو حتى والدتي، ومع اعترافي يا أبت بأني أتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية إلا أني أعتقد أن من أعطاني السيارة في ذاك الوقت يتحمل جزءاً لايقل عما أتحمله أنا.

وسائل اللهو:

يا أبت: من الذي أحضر جهاز التلفاز في البيت، وبعده جهاز الفيديو، وبعده صحن الاستقبال، من الذي سمح لي باقتناء المجلات الهابطة، والأغاني الساقطة، أليس أبي؟ ويطالبني بعد ذلك بالاتزان، بالجد في الدراسة والتفرغ لها، وقد تاه قلبي في أودية وشعاب أخرى لاتخفى عليك يا أبت.

ألا ترى أن الأولى كان يا أبت هو ذكر مساويء هذه الأجهزة، والتحذير منها، والنهي عنها بدلاً من تأمينها، أو السماح باقتنائها.

بين الدراسة وصلاة الفجر:

لقد حفظت يا أبت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لايتخلف عنها إلا منافق"، وأبي يوقظني لصلاة الفجر أحياناً، لكنه لايزيد على أن يوقظني بكلمة واحدة ثم ينصرف، وكم من مرة تخلفت عن الصلاة فلم أسمع منه كلمة عتاب، أما الإجازة فأنت تعلم متى كنت أصليها.

أما حين تخلفت يا أبت عن الدراسة فتعلم ماذا صنعت معي يا أبت، أترضى يا أبت أن يقول الناس عنك إن الصلاة أقل شأناً وأهون قدراً لديك من الدراسة وأمور الدنيا ؟ اسمح لي يا أبت إن قلت إن صنيعك يشعر الناس بذلك.

وكم كنت أتمنى أن تصنع كما يصنع والد جارنا محمد فهو يحدثني عن والده أنه يوقظه للصلاة بكل هدوء، ثم يصحبه إلى المسجد، وهذا شأنه من الصغر حتى اعتاد على ذلك. وذات يوم تأخر عن الصلاة فدعاه والده وقال له يابني لاتخفى عليك قيمة الصلاة وفضلها، وخاصة صلاة الفجر. واليوم لم تستيقظ للصلاة، فأرجو أن تفكر ملياً ما السبب في ذلك ؟ فإن اكتشفت أنه السهر حرصت على النوم مبكراً، وهكذا.

يالها من تربية عالية يا أبت.

حين اكتشفت الشرارة:

لازال في خاطري وهاجسي يا أبت موقفك حين اكتشفت أول مظهر من مظاهر الانحراف عند أخي - وقد كان ذلك بالطبع عن طريق الصدفة وبعد وقت طويل - أتذكر يا أبت كيف كان موقفك ؟ كلمات لاذعة كالعادة، وتأنيب قاس، وماهي إلا أيام وكأن شيئاً لم يكن، حتى استمرأ أخي ماهو عليه، وألف الفساد.

ما رأيك يا أبت لو كان البديل أن جلست معه جلسة خاصة، وفتحت له قلبك، وسألته المصارحة. ما السبب ؟ ومتى ؟ ولماذا ؟ أتعرف عواقب هذا الطريق ؟ وما ذا أستطيع أن أعينك به ؟ وهذا كله مع قدر من الحزم والجدية، ألا ترى أن هذا البديل قد يكون أنجع، وأن هذا الحل قد يكون أولى.

التعليم:

أعتقد يا أبت أن التربية أبعد مدىً من مجرد الأمر بالصلاة، والنهي عن المنكرات، والتي حتى لانسمعها إلا بلغة أعلنت المقاطعة التامة مع الرفق والحكمة. أليس من حقي يا أبت عليك أن تأخذ بيدي في وصية بالغة، أو موعظة، أو تذكير، أو تعليم مسألة من المسائل.

لقد قرأت يا أبت في كتاب الله عن لقمان الذي آتاه الله الحكمة وصيته الجامعة الفذة لابنه؛ وكم كنت أتمنى أن أتلقى منك مثل هذا التوجيه والتعليم.

يا أبت أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر:"اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت...."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت