فهرس الكتاب

الصفحة 27207 من 27345

إن مسؤولية هؤلاء العلماء كبيرة وكبيرة جداً، والأمل فيهم بعد الله يتضاعف، لأن المطلوب منهم إصلاح الناس ، ومطلوب منهم عدم تأخير البيان عند الحاجة .

والعلماء في هذا الزمان كغيرهم من علماء كل زمان يصيبون ويخطئون , الواجب معهم عند الخطأ ؛ النصيحة والبيان لا التشهير والهجران , وقد نبغ في زمننا هذا فئة من الناس , همهم فتح الأعين والآذان على كل خطأ أو زلل لعالم لا يوافق الهوى والوجدان , فإذا سمعوا كلمة طاروا بها في كل مكان , فإلى الله المشتكى من غثاء هذا الزمان .

ولقد كان علماء السلف على ورع عجيب في أمر الجرح والتعديل , وذلك حينما بلغ الأمر فيه الغاية من التشديد لحفظ السنة , فهذا يحى بن معين شيخ المحدثين كيف كان يتعامل مع علماء زمانه ؟!

قال يحيى بن معين"إمام الجرح والتعديل": ما رأيت على رجل خطأ إلا سترته , وأحببت أن أزين أمره , وما استقبلت رجلا في وجهه بأمر يكرهه , ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه , فإن قبل ذلك وإلا تركته . (12)

بل ننظر لحالهم في من تلبس ببدعة , ووضحت وشانت .

ففي ترجمة قتادة

ابن دعامة بن قتادة السدوسي

قال الذهبي: وكان من أوعية العلم وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ وهو حجة بالإجماع إذا بيَّن السَّماع , فإنه مدلس معروف بذلك , وكان يرى القدر نسأل الله العفو , ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه , ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه , وبذل وسعه , والله حكم عدل لطيف بعباده , ولا يسأل عما يفعل , ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه , وعلم تحريه للحق , واتسع علمه , وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه , يغفر له زلّتَهُ , ولا نضلله ونطرحه , وننسى محاسنه , نعم ؛ ولا نقتدي به في بدعته وخطئه , ونرجوا له التوبة من ذلك . (13)

بل نراهم على ورع تام في من جاوز الحد في التجريح , كما وقع للقاضي أبي بكر بن العربي مع ابن حزم رغم ما تلبس به ابن حزم في شأن الصفات .

قال الذهبي -في شأن القاضي ابن العربي - قلت: ولم أنقم على القاضي رحمه الله إلا إقذاعه في ذم ابن حزم واستجهاله له , وابن حزم أوسع دائرة من أبي بكر في العلوم , وأحفظ بكثير , وقد أصاب في أشياء وأجاد وزلق في مضايق كغيره من الأئمة , والإنصاف عزيز . (14)

ثم قال في موطن آخر: لم ينصف القاضي أبو بكر رحمه الله شيخ أبيه في العلم ولا تكلم فيه بالقسط , وبالغ في الاستخفاف به , وأبو بكر فعلى عظمته في العلم لا يبلغ رتبة أبي محمد ولا يكاد , فرحمهما الله وغفر لهما . (15)

بل حينما وقع العداء المفرط بين الإمام مالك وبين محمد بن إسحاق صاحب المغازي وأفرط كل منهما في الآخر .

قال الذهبي - قلت: لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر , ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة , وقد علم أن كثيرا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به , ولا سيما إذا وثق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف , وهذان الرجلان - يعني الإمام مالك ومحمد بن إسحاق - كل منهما قد نال من صاحبه , لكن أثر كلام مالك في محمد بعض اللين , ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة , وارتفع مالك وصار كالنجم , والآخر - يعني ابن إسحاق -فله ارتفاع بحسبه , ولا سيما في السير , وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن , إلا فيما شذ فيه فإنه يعد منكرا , هذا الذي عندي في حاله - والله أعلم . (16)

ولما تكلم محمد بن نصر المروزي في مسألة الإيمان , قام عليه جماعة من أهل العلم كابن منده وغيره - كما ساق الذهبي القصة .

قال الحافظ أبو عبد الله بن مندة في مسألة الإيمان: صرح محمد بن نصر في كتاب الإيمان بأن الإيمان مخلوق , وأن الإقرار والشهادة وقراءة القرآن بلفظه مخلوق , ثم قال: وهجره على ذلك علماء وقته , وخالفه أئمة خراسان والعراق .

.قلت - أي الذهبي رحمه الله: الخوض في ذلك لا يجوز , وكذلك لا يجوز أن يقال الإيمان والإقرار والقراءة والتلفظ بالقرآن غير مخلوق , فإن الله خلق العباد وأعمالهم , والإيمان فقول وعمل , والقراءة والتلفظ من كسب القارئ , والمقروء الملفوظ هو كلام الله ووحيه وتنزيله , وهو غير مخلوق , وكذلك كلمة الإيمان , وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله داخلة في القرآن , وما كان من القرآن فليس بمخلوق , والتكلم بها من فعلنا , وأفعالنا مخلوقة . ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له , قمنا عليه وبدعناه وهجرناه , لما سلم معنا لا ابن نصر , ولا ابن مندة , ولا من هو أكبر منهما , والله هو هادي الخلق إلى الحق , وهو أرحم الراحمين , فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة . (17)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت