ولم يقفوا عند هذا، بل هاجموا من أوجب على المرأة غطاء الوجه، والقرار في البيت، والمنع من الاختلاط بالأجانب، ورعاية الأولاد، والزوج، وأهل البيت، وتقديم هذا العمل على كل عمل خارج البيت، واتهموه بالتشدد، واتباع العادات، والتقاليد، والتخلف عن مقتضيات العصر، ولم يشفع له قوله بجواز عملها خارج بيتها، بشرط عدم الاختلاط بالأجانب، فزعموا: أنه يريد حبسها..!!.
فما كانوا في هذا منصفين، ولا بالعدل عاملين، ولا لأهل العلم متبعين..؟!!.
ولما فتحوا الباب عسر عليهم إغلاقه..!!، فإنهم أسسوا لمشاركة كاملة للمرأة مع الرجل، من غير حاجز، ولا فصل، بدعوتهم إلى الكشف عن الوجه، والخروج للعمل مع الرجل، حتى صار جمع النساء إلى نوع من اللباس سموه زورا: حجابا. فظهرن بقميص ضيق، وبنطلون ضيق يصف العورة، والمرأة كلها عورة، كما نص الأثر. ويضعن المكياج على الوجه، والأحمر على الشفاه، والكحل والألوان حول العين، ولأجل أنهن غطين الرأس والعنق: صرن محجاب، وهذا هو الحجاب..؟!!.
فلم يعد للأمر بإدناء الجلباب في قوله تعالى:
- { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرف فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما} .
أي معنى، وأي أثر..!!.
ولا للأمر باتخاذ الحجاب حين سؤال المرأة في قوله تعالى:
- {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} .
أية فائدة، ولا غاية..!!.
صار الحجاب على أيديهم، وبسبب أقوالهم له معنى آخر، ووصف مستحدث، لم يعرف أبدا في تاريخ المسلمين..!!: حجاب لا يمنع من النظر، ولا يقي العورة من الوصف، ولا قوام المرأة من الوضوح في تفاصيله. فأفسدوا معنى الحجاب، وغاية الحجاب، وعلة الحجاب..!!.
-فأي معنى للحجاب، وأية فائدة له: إذا قامت المرأة تغني في محضر الرجال..؟!.
-وأي معنى للحجاب، وأية فائدة: إذا شاركت الرجال بالتمثيل، فعاملتهم كزوج، ومحرم ؟!.
-وأي معنى له، وأية فائدة: إذا غدت أمام الرجال، تسبح، وتجري، وتلعب الكرة، لا تستتر منها مفاتنها ؟!.
-وأي معنى له: إذا صارت مع الأجنبي في العمل، يراها تروح وتجيء أمامه، كل يوم، كمحرمها، فتجلس معه دون حذر، وكأن ثمة صديق أو صاحب ؟!!.
-وأية فائدة له: إذا صارت قاضية ووالية، تحكم وتفصيل بين المتخاصمين، يأتون إليها، فتجلس معهم، لا فرق بينهم وبين أبيها، وأخيها، وابنها، ومحارمها ؟!!.
؟.. هل هكذا كان حجاب أمهات المؤمنين، ونساء الصحابة رضوان الله عليهن ؟.
؟.. هل كان فيهن القاضية، والوالية، والمعلمة للذكور، وهنّ أهل، لكنهن وقفات عند حدود الله ؟.
؟.. هل كان فيهن من تحضر حلق الرجال للعلم والتعلم، تزاحمهن بالركب ؟.
؟..هل كان فيهن من تخالط صفوف الرجال في الصلاة والجمع ؟.
؟..هل كان فيهن فتاة تعمل في دكان أحد الصحابة، أو تسافر في تجارته ؟.
-أم كن قارات في البيوت، لا يخرجن إلا لضرورة، امتثالا لقوله تعالى: {وقرن في بيوتكن} ، هذه الآية الصريحة في مقامهن، هي أيضا مما نالته الأيدي بالعبث والتحريف، حيث زعموا أنها خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسبقهم إلى هذا أحد من علماء المسلمين..؟!!.
-أم كن يلبس الجلباب من فوق الرؤوس، ويبدين عينا واحدة، كما ذكر ابن عباس، وعبيدة السلماني،ومحمد بن سيرين، وابن علية، وابن عون ..؟!!.
-أم كن إذا سألن أو سئلن فمن وراء حجاب..؟!!.
-أم كن يغطين وجوههن، كما هو ثابت عن الأمهات والصحابيات..؟!!.
لكن هؤلاء يستندون إلى المتشابهات:
امرأة وضيئة جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرى سفعاء الخدين، وثالثة أضافت النبي، ورابعة دخلت وعليها ثياب رقاق، فأمرها بتغطية بدنها سوى الوجه والكف.
لا يفرقون بين ما هو ثابت وغير ثابت.. ولا بين ظني الدلالة وقطعي الدلالة.. ولا بين ما قبل الحجاب وما بعده.. ولا بين ما كان ضرورة، وما لم يكن كذلك..!!. لا يفرقون بين المتفرقات، فيجمعون بين المتناقضات، ويبطلون لأجلها دلالات النصوص، ويهتكون الأصول، ويعطلون العمل بها، وهذه هي الفتنة والزيغ، الذي حذرنا الله منه بقوله:
- { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} .
وليسوا كلهم طلاب زيغ وفتنة، بل فيهم طلاب حق، لكنهم مخطئون في اتباعهم المتشابه، ونسيانهم المحكمات، ومن المحكمات:
أن الحجاب هو الفاصل والحاجز بين الجنسين. فلا تقارب، ولا التقاء، إلا في حدود الضرورة الشرعية، فإذا انتفت الضرورة رجع الحكم إلى الفصل، ولا يصح أن توضع الضرورة موضع الأصل، دع عنك إبطال الأصل كليا، وإحلال حكم آخر مكانه، ما أنزل الله به من سلطان..!!.