فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 27345

وجعل من شروط الدعوة إليه وأساسياتها: الرفق، واللين، والسماحة، ولم يُقصر الدين كله على ذلك، هذا إذا علمت أن الرفق واللين عند من سلف غير ما نحن بصدده- وهو عند المتلاينين يعني الترويح والتنفيس إلى أجل غير محدود ووقت غير معلوم، واستخدام وسائل في ذلك لا تخلو من شبه وتحامل وانحراف ومناكر؛ وفي بعضها التحريم ظاهر؛- فتخرج جيلًا عاطفيًا متماوتًا، ألِفَ الدعة والراحة، والليونة والدعابة لا يحمل همّ دينه وأمته والأمانة التي في عنقه؛ فلا يطيق الحياة الجادة، ولا يحتمل التربية السامية؛ إذ يسأم من العلم، ويملّ الحزم، ويخاف داعي الجهاد، ويفر من المسؤولية، ويُهزَم بالخوف مسيرة شهر.

إن هؤلاء ينظرون للعلم الشرعي (نظرة تآمرية) تتجسد في أنّه صعب شديد، لا يلائم أكثر الطبقات ولا يحتملون نوعه ومادته. ولا يملكون أدوات استماعه والنظر فيه، ولا امتلاك الفائدة منها؛ فمثلًا هم يعتقدون أن العلم عقيدة وتوحيد، والعلم شروط الصلاة، وشروط النكاح والبيع، وأغفلوا جوانب واسعة في العلم، جراء هذه النظرة الشانئة. والله المستعان.

لذا فإنهم يرون إقصاءه وعزله عن أكثر المؤسسات الدعوية، وتبقى الدعوة تساق في إطار التلاين والهزال الموصوف سلفًا.

وإننا نقول لهؤلاء: إن مثل هذا التصور جناية فادحة تعكس الصورة التي يعيشها هؤلاء عقلًا ودعوة وثقافة، وينبغي أن يعلم هؤلاء أن العلم الشرعي يأخذ صورًا شتى ويتنوع إلى فنون عديدة، يمكن أن يستفاد من جوانب عديدة في دعوة هؤلاء، تحقق اللين الشرعي الصحيح لا التلاين السيئ الجديد.

فعلى سبيل المثال سوق الآيات الكريمات بأصوات حسنة خاشعة، والأحاديث النبوية الشريفة المسوقة في جانب الوعظ والرقائق. وعندنا قصص تربوية ومواقف بطولية قد زخرت بها كتب الفضائل والمغازي والمناقب، كما في الصحيحين والسنن الأربعة، يمكن سوقها وعرضها لهؤلاء بديلًا نفيسًا بهيجًا عن الغثاء الهزلي والركام السقيم الذي تعج به هذه المؤسسات والمحطات؛ وفي ذلك من الفوائد للمدعوين ما لا يخفى، ومنها:

1 -عرض دعوة جادة، مبنية على أصول شرعية صحيحة.

2 -ربطهم بالعلم الشرعي المفيد.

3 -تجسيد معاني الجد والتضحية والعلاء في حياتهم.

4 -توثيق صلتهم بتراثهم المجيد، وما يجب عليهم تجاهه.

5 -تحقيق الصفاء الدعوي المنشود.

6 -إلغاء جوانب السفه والترويح المبالغ فيها.

وإني لأعتقد أن قصة من السيرة النبوية تشع بمعاني النور والعلم والصبر والبسالة، أوسيرة لإمام أو عالم من كتب التراجم والسير لهي خير كثير من التشويش والتزوير المخترع المصنوع.

ويستطيع المشرفون الأمناء إذا امتلكوا (الثقافة الشرعية) و (السعة الفكرية) أن يسهلوا كثيرًا من أبواب العلم ومسائله وقضاياه، ويمكنهم الإفادة في جوانب الاعتقاد والفقه بأساليب تربوية ميسرة يغشاها الرفق السديد، واللين الصحيح، واليسر المحمود.

أما أن يتعمد هؤلاء قصر مؤسساتهم وتنظيماتهم على جوانب الترفيه والمرح دون حساب.

كيف يحمدون دعوة نابذت العلم، وأهدرت الفائدة، وحطّمت الجد والعزة والمصابرة؟!!

إن هؤلاء ما هُدُوا لأحسن الطرق، ولا أصابوا قصد السبيل.

ولَكُم أن تتصوروا برنامجًا دعويًا يمكث سنين طوالًا على هذا المسلك مع طبقة غزيرة من الشباب ـ تبحث عما ينفعها ويهديها ويشبع رغباتها ـ كيف يكون حالهم؛ وكيف تكون نهايتهم ومصيرهم؟!! ثم يُراد منهم بعد ذلك العمل للدين، ورفع رايته، والتضحية من أجله والثبات عليه!

ثم إن حصلت استجابة صار تلاميذ الأمس شيوخ اليوم، ومضوا على طريقة مربيهم ومعلميهم حذو القذة بالقذة.

إن هذا المسلك المحدَث الغريب ذريعة لتغييب وتجهيل المدعوين، وإيقاعهم في متاهات الجهل والشُّبه والتخلف، فينشأ هذا الجيل وقد حيل بينهم وبين التعلق بحياة الجادين البارزين، وذوي الهمم الصامدين الذين عزت بهم الدعوة الإسلامية وكبرت مجالاتها، واتسعت آفاقها.

قال ـ تعالى ـ: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) -النحل-

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: [ يقول ـ تعالى ـ آمرًا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة] .

قال ابن جرير: ( الحكمة هى ما أنزله الله عليه من الكتاب والسنة، والموعظة الحسنة، أي بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، وذكرهم بها ليحذروا بأس الله ـ تعالى ـ، وقوله: وجادلهم بالتي هي أحسن أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب كقوله ـ تعالى ـ:( وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا) [العنكبوت: 46] .

كيف تصح دعوة وتربية وهي خالية من العلم والرشاد، ومجردة من العلو والحزم، وقائمة على اللهو والتسلية إلى مدى لا ينتهي (بدعوى) اللين والرفق والحكمة؟ والله المستعان.

وأستطيع أن ألخص هُزال هذا المنهج وضعفه في الأمور الآتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت