فهرس الكتاب

الصفحة 2995 من 27345

والوقف وإن كان يدخل في باب الإنفاق العام والصدقات الطوعية التي حث عليها الإسلام إلا أنه يتميز بأنه يتصف بالدوام، لأن الوقف يشترط فيه كما ذكرت في التعريف بقاء أصل عين المال والتصديق بالمنفعة، فهو لهذا يدخل في مصطلح الصدقة الجارية التي لا ينقطع ثوابها عن صاحبها حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) [22] . والصدقة الجارية هي التي تتجدد منافعها للمستفيدين منها، كسكن الدار أو شراب ماء البئر أو ركوب الدابة، وغيرها من المنافع المستمرة. فالوقف بهذا المعنى يمثل تدفقًا مباشرًا كري الأرض او أجره الدار أو ثمار المزرعة، يذهب للموقوف عليهم، أو تدفقًا نقديًا غير مباشر كالانتفاع بسكنى الدار ، أو ركوب الدابة، أو شرب ماء البئر، أو أكل ثمار المزرعة الموقوفة، وهي منافع يمكن تقويتها بالنقود بحيث يمثل هذا الانتفاع غير المباشر تخفيضًا للمصروفات النقدية التي كان من المفترض أن يدفعها الموقوف عليه.

• مفهوم الأموال الموقوفة:

أ. مال الوقف مال نام أوقبل للنماء:

يجيئ هذا من اشترط بعض الفقهاء أن الوقف لا يصح إلاّ في الأموال التي تمثل أصلًا رأسماليًا يبقى بقاء متصلًا، أو الأموال التي يجوز الانتفاع بها مع بقاء عينها [23] . أي أن المال الموقوف هو مال يتصف بالاستمرار، لأن القصد الوقف هو إيجاد مصدر له ريع أو عائد متجدد يمكن المستفيد منه ( الموقوف عليه) من استمرار الانتفاع به على وجه يشبع حاجاته، وفي الأغراض التي حددها صاحب الوقف أو المنشئ له. ولهذا فإن وقف السلع التي تنفي باستهلاكها كالأطعمة والمشروبات لا يصح، لأنها تنتهي عند أول انتفاع بها فهي إذن تدخل في باب الصدقة بمفهومها العام وليس في باب الوقف .

ومن هنا يتضح أن المال الموقوف هو مال نام أو قابل للنماء، لأن الاشياء التي لا تنمو أو لا تكون قابلة للتنمية لا يتحقق منها عائد ينتفع به من وقف عليه المال. قال الشيخ يوسف اسحق حمدالنيل:"الموقوف هو العين التي حبست، من أرض زراعية وعقار كالمنازل والحوانيت والمساجد والآبار والطرق والقناطر والمنقولات من أوان وغيرها ، وليس منه الطعام لأنه مستهلك ) [24] ."

والنمو أو القابلية للنمو التي نتحدث عنها تتوقف على أمرين هما:

• استمرارية الأصل الموقوف أيًا كانت الاستمرارية، مطلقة كالأرض، أو مؤقتة كالآلات الحربية، أو معدات المصانع.

• وجود منافع للموقوف متعددة ، أيًا كانت هذه المنافع ، كربح المال المستثمر ، أو أجره الدار أو ثمار الاشجار ، أو خراج الأرض المزروعة ،وما في حكم هذه الأشياء.

مصرف أموال الأوقاف هو جهات البر المختلفة:

عرفنا عند تعريفنا للمال الموقوف أنه ما وقف على جهة من جهات البر ابتداء وانتهاءً، وبهذه فإن مصارف أموال الوقف تشمل جهات البر والخير المختلفة، ويظهر هذا المعنى من فهم الصحابة رضوان الله عليهم للقرآن الكريم، وتأكيد المصطفى صلى الله عليه وسلم لذلك الفهم. فعندما نزل قوله تعالى ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) ، بادر أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ("إن الله يقول( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) ، وإن أحب أموالي إلى بيرحاء، إنها صدقة لله تعالى . وبيرحاء حائط كان يستقبل المسجدوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخله ويشرب من ماء فيه طيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أجعلها في قرابتك ، في حسان بن ثابت وابي بن كعب) [25] ."

وتشمل أبواب البر المشار إليها في الآية الإنفاق على الاقربين كما هو ظاهر من حديث أبي طلحة ، ويشمل الفقراء وابن السبيل وفي الرقاب والضعيف كما في قصة عمر بن خطاب رضي الله عنه: فعن ابن عمر رضي الله عنه عنها"أن أصاب أرضًا من أرض خيبر فقال: يا رسول الله أصبت مالًا بخيبر لم أصب قط مالا خيرًا منه ، فما تأمرني؟ فقال: ( إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث) قال ابن عمر: فتصدق بها عمر على ألا تباع ولا توهب ولا تورث ، في الفقراء وذوي القربى وفي الرقاب والضعيف وابن السبيل ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول" [26] .

وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن البر هو الانفاق في سبيل الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات [27] . ولذلك يشترط الإمام أحمد بن حنبل أن يكون الوقف على بر أو معروف ، فقد نقل أبو زهرة من الشرح الكبير عن المقنع في فقه الحنابلة ، ( أن الوقف لا يجوز إلا في بر أو معروف ، كولده وأقاربه والمساجد والقناطر وكتب الفقه والعلم والقرآن والسقيات والمقابر وفي سبيل الله وإصلاح الطرق ونحو ذلك من القرب) [28] .

ج . الأموال الموقوفة تتمتع بحماية قانونية تضمن لها الاستمرار والدوام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت