وربما لا ينام طيلة اليوم والليلة في رمضان إلا أربع ساعات.
وكان من عادة سماحته في كل موسم حجّ أنه يحجّ معه أعداد كثيرة من الرجال والنساء، وأغلب هؤلاء من الفقراء وغير السعوديين؛ فكل من طلب من سماحته الصحبة، أو أوصى من يستأذنه فيها قال: حياه الله، ولا يسأل عمن سيذهب معه، ولا عن عددهم، ولا عن ضيق المكان، ولا عن سعته.
وكان عدد الذي يحجون مع سماحته، ويرافقونه في مخيمه ومقر إقامته في الحجّ- يقدر بـ800 حاجّ.
وكان عدد الرجال والنساء الذين يُقدّم لهم الطعام في منى وعرفة يتراوح ما بين 800 إلى 1000 حاجّ.
وليس العجب من هذا، وإنما العجب أن يكفيهم طعام أُخذ فيه حساب 500 شخص، ولكن البركة في طعامه ظاهرة للعيان، يشهد بذلك من وقف عليه؛ وكلما زاد العدد ظننا أنه لن يكفيهم، ومع ذلك يكفيهم ويبقى منه شيء.
أما عدد الذين يتناولون طعام الغداء مع سماحته في مكة فيتراوح عددهم ما بين 300 إلى 400.
والله ثم والله، ثم والله إنني لم أكتب في حياتي كتابًا إلا وأريد بذلك وجه الله
فإذا قلنا لسماحته: يا سماحة الشيخ! كل يرغب في الحج معكم، سواء من داخل البلاد أو خارجها، وأنتم تعلمون أن السيارات لا تكفي، وأن المكان المخصص لكم لا يكفي- قال: الله المستعان، ما هي إلا ساعات وينتهي كل شيء، اصبروا، واحتسبوا، وأبشروا بالأجر الجزيل، وما يدريكم لعلنا لا نحجّ بعد عامنا هذا، ستتيسّر الأمور، وينتهي كل شيء على ما يرام.
لا فرق عند سماحته بين الفقير والغني، والشريف والوضيع، والسفير والوزير؛ فهم يجتمعون جميعًا على المائدة، وكل من أكل مع سماحته جعل يلتفت هنا وهناك ينظر في وجوه الناس على تباينهم، واختلاف ألسنتهم، ومراتبهم، وألوانهم فهذا عربي، وهذا أعجمي، وهذا أسود، وهذا أبيض، وهذا من قريب، وهذا من بعيد.
وفي أحد الأيام قال له أحد الحاضرين ممن يعرف سماحة الشيخ: يا شيخ بعض هؤلاء لا يعرفون أدب الأكل، ولا يحسن الجلوس معهم؛ فلو انفردتَ عنهم، وأرحت نفسك من هؤلاء؛ فقال سماحة الشيخ -رحمه الله-: أنا الذي وضعتُ الطعام لهم، وهم جاؤوا إليّ، وراحتي بالأكل معهم، والرسول- صلى الله عليه وسلم - كان يأكل مع أصحابه ومع الفقراء حتى مات، ولي فيه أسوة حسنة، وسوف أستمرّ على هذا إلى أن أموت، والذي لا يتحمل ولا يرغب الجلوس معهم نسامحه، ويذهب إلى غيرنا.
وإليك هذا المثال: في عيد الفطر عام 1404 هـ؛ حيث لم ينم سماحته ليلة العيد؛ فقد كان يصلي القيام؛ إذ لم يأت خبر العيد إلا متأخرًا، ثم استقبل الناسَ بعد الصلاة، فلما أُذِّن بالفجر قام للصلاة، ثم رجع إلى منزله، واستعدّ للعيد، ثم ذهب لصلاة العيد، وبعد الصلاة واصل نهار العيد كله حتى بعد العشاء لا يفتر، ولا ينقطع؛ فتارة مع الهاتف على اختلاف المتصلين وحاجاتهم، وتارة مع سائل أو مستفتٍ، وتارة مع المهنّئين بالعيد، وتارة مع شكاوى الناس ومشكلاتهم، وطلباتهم، وشفاعاتهم، وهكذا.
ومع ذلك لا نراه يضجر أو يملّ، أو يكهر، أو ينهر.
بل يقابل الناسَ كلهم بالبشاشة، والترحاب ولا فرق في ذلك عنده بين أمير، أو وزير، أو قريب، أو بعيد، أو من يعرفه، أو لا يعرفه.
تدفُّقُ كفٍّ بالسماحة ثرَّة ٍوإسفارُ وجْهٍ بالطلاقة مشرقِ
كل ذلك مع كبر سنه، وقلة نومه ذلك اليوم؛ فهذا هو منهجه، وديدنه، وخلقه؛ فهو منهج رائع فريد لمن أراد التأسي بالعلماء العاملين الصالحين المؤْثِرين أخراهم على دنياهم.
ومما يحسن ذِكْرُهُ في هذا الصدد أن سماحة الشيخ يرى أن ليلة الجمعة، وعصر الجمعة مثل بقية الأيام في إلقاء الدروس، وقراءة بعض الأحاديث، خلافًا لما يراه بعض الناس، حيث يتركون الدروس، والتحديث ليلة الجمعة، أو بعد صلاة العصر من يوم الجمعة.
ولا أذكر أنه طالبَ أحدًا له حق عليه.
وأذكر أن أحد المسؤولين الكبار عرض على سماحته الخروج للنزهة في وقت الربيع، فقال سماحة الشيخ: أنا لا أرغب الخروج، وليس من عادتي.
فقال له المسؤول: النفس تحتاج إلى الراحة، وتغيير الجو، وشمّ الهواء.
فقال سماحة الشيخ- ممازحًا-: الذي يرغب تغيير الجو، وشمّ الهواء النظيف يخرج إلى السطح ويكفيه ذلك.
وقد حسبت له بعد المغرب في يوم من الأيام ستين إجابة لستين سؤالًا، كل ذلك في جلسة بعد المغرب، مع أنه لم يكن متفرغًا للإجابة وحدها، بل عن يمينه وشماله اثنان من الكتّاب يتعاقبان القراءة عليه، والناس يتوالون للسلام عليه، والهاتف لا يقف رنينه إلى غير ذلك مما مرّ ذكْرُه في وصف مجلسه.
وفي يوم من الأيام قرأتُ عليه بعد صلاة الفجر أربعين معاملة في ساعة ونصف الساعة.
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن دايل: أنتم ما أدركتم نشاط سماحته؛ إذ كان في المدينة لا ينام بعد العشاء إلا متأخرًا، وكان لا ينام بعد الفجر، ولا الظهر، ولا العصر.