وأذكر أنه قبل سنتين من وفاته كان في الطائف، وزاره بعض الشباب من الزلفي، وكانوا طلاّبًا في كلية الشريعة، وبعضهم لم يرَ الشيخَ قبل ذلك، وكان غاية ما يتمنون أن يروا سماحته في زيارتهم تلك.
فلماّ دخلوا مجلسه بعد المغرب حياهم، وأدناهم، وألحّ عليهم بالعشاء، فقالوا: نحن لا نريد سوى رؤياك والسلام عليك.
فقال: لا بدّ من العشاء، فوافقوا.
وكان في مجلسه بعد المغرب يلتفت إليهم، ويباسطهم، ويسألهم عن المشايخ في الزلفي، فلما صلينا العشاء دخلتُ مع سماحته في المختصر؛ لأقرأ عليه بعض الأوراق والمعاملات ريثما يتم إعداد العشاء.
وكان الشباب الزائرون في المجلس ينتظرون.
فلما شرعتُ بالقراءة على سماحته رأيته منصرفًا عني، ثم قال: أبا موسى! فقلتُ: نعم، فقال: تركنا الضيوف، فقلتُ: عفا اللهُ عنك، هؤلاء أبناؤك، وقد جلسوا معك بعد المغرب، وسيجلسون معك بعد قليل على العشاء؛ فماذا يريدون غير ذلك؟ ائذن لي بإكمال ما شرعنا بقراءته.
ثم شرعتُ بالقراءة، فقال: أبا موسى، ضيوفنا؟ فقلتُ: لا بأس عليهم، فقال: في ذمتك يا أبا موسى؟ فقلتُ: لن يلحق ذمتي شيء إن شاء الله، فقال: لندع القراءة الآن، هيا إلى المجلس، فتركنا القراءة، وجلس معهم يباسطهم، ويجيب على أسئلتهم.
فلما تناولوا طعام العشاء مع سماحته استأذنوا فقال: ما نسمح لكم، لا بدّ أن تبيتوا عندنا، فقالوا: عندنا مكان سنبيت فيه، فألحّ عليهم، وقال: نحجز لكم في الفندق، إن أردتم؛ لأنه- رحمه الله- ظن أنهم مستحيون، فقالوا: جزاك الله خير الجزاء، وغفر لك، وجعلك ذخرًا للإسلام والمسلمين، لقد أعطيتنا من وقتك ومجلسك فوق ما نستحق، وفوق ما تصورنا؛ فودّعهم، وحمّلهم السلامَ لمن أمامهم.
مع أن الشيخ ليّن العريكة، سمح، هين إلا أنه سرعان ما ينقلب أسدًا هصورًا لا يلوي على شيء، وذلك إذا علم أن المطلِّق يريد نقضَ الحكم.
الشيخ قليل النوم، فلا يأوي إلى فراشه إلا بعد منتصف الليل فما فوق، ولم يكن ينام بعد الفجر، ولا أعلم أنه نام بعد الفجر، وربما يرتاح بعد الشمس قليلًا.
قال في يوم من الأيام بحضرة أكثر من عشرين من طلبةالعلم: والله ثم والله، ثم والله إنني لم أكتب في حياتي كتابًا إلا وأريد بذلك وجه الله. (قلتُ: وقد حضرتُ ذلك المجلس في بيته بالرياض) .
حدّثني الشيخ علي العتيق أن شخصًا جاء إلى سماحة الشيخ قبل وفاته بأربعين سنة، وشكا عليه الحال، فأمر له سماحة الشيخ بخمسين ريالًا، فأخذ ذلك الرجلُ الورقةَ التي كتب فيها الأمر، وغير الكتابة من خمسين إلى خمسمائة ريال، وذهب إلى مأمور الصرف، وألحّ عليه بسرعة صرفها، وادّعى أنه سوف يسافر، فتردد مأمور الصرف، وقال: لا يوجد مبلغ يفي بهذا الطلب، ولم تجر العادة بمثل هذا المبلغ؛ لأن السيولة في ذلك الوقت قليلة جدًا.
فلما راجع المأمورُ سماحةَ الشيخ، قال: لم آمر إلا بمبلغ خمسين ريالًا، ثم أطرق سماحته رأسَه مليًّا، وقال: اصرفوها له؛ لعله محتاج.
وإذا جاءه أحد من الناس، وقال: إن الشيخ فلان بن فلان قد قال: كذا وكذا مما لا يليق- نهَره سماحة الشيخ، وقال: هو أوثق عندنا منك، أفنصدقك ونكذب الشيخ فلانًا؟ ونحو ذلك.
وأذكر مرة أن أحد الطلاب سأل سماحة الشيخ عن مقادير الديات، وقال: يا شيخ الدية الآن فيها ظلم للمسلم؛ فإنها تحدد بمئة ألف، وأصلها مئة من الإبل؛ فلو أن الإبل المذكورة في دية المسلم عرضت في السوق للبيع لبلغت قيمتها أكثر من مئة ألف؛ فلو أُعيد النظر في تقدير الدية.
فردّ عليه سماحة الشيخ بشدة، وقال: الذي قدّر الدية علماء أعرف منك، وأنت تعترض، وأنت في بداية الطريق؛ فيجب عليك أن تتأدب وتترك الكلام الذي لا يعنيك.
ومع ذلك فإن الرفق والتحمل هو دأب الشيخ، ولكنه يتقصد تربية الطلاب حتى يكونوا على منهج سويّ، وخلُقٍ فاضل.
وآخر درس ألقاه كان في يوم الإثنين 17/1/1420هـ، وقد استمر في الدرس حتى الساعة الثامنة صباحًا أي أن مدة الدرس استمرت قريبًا من ثلاث ساعات.
وأذكر أنه سألني بعد الدرس عن الساعة فقلت:الساعة الآن الثامنة، فقال: تأكد لعلها السابعة؛ فقلتُ: بل هي الثامنة يا سماحة الشيخ، فقال: ما ظننتُ أنها ثمان، القراء كثيرون، والوقت يمضي دون أن ندري؛ فهذا آخر درس ألقاه-رحمه الله-.
وبعدُ:
ما إنْ أنهيتُ قراءةَ الكتاب حتى قمتُ بزيارة لأخي الشيخ محمد الموسى راوي هذا الكتاب، وشكرته وأخاه محمد الحمد على ما قاما به من جهد، وقلتُ له: ما سرّ هذه الشخصية العجيبة؟ فقال: كان الشيخ قد وضع رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أمام عينيه، وركّز بصره وفكره على هديه وسنته، يحرص ألا يلتفت عنها يمنة أو يسرة، فهو قدوته وإمامه، فلذلك كانت هذه الشخصية التي بهرت القريب والبعيد، العدو والصديق، فلله دره من إمام، قلّ أن يتكرر في الزمان مثله.
ونسأل الله له الرحمة والغفران، وأن يعوض أهله وأمة المسلمين عنه خيرًا.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،