فهرس الكتاب

الصفحة 3184 من 27345

و قال سيد قطب رحمه الله:"إنه قرار من الله مؤكد، ووعد منه واقع: أن الذين كفروا، ووقفوا في وجه الحق أن يُبَلغ إلى الناس ; وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أية وسيلة من الوسائل، وشاقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته بإعلان الحرب عليه، والمخالفة عن طريقه، والوقوف في غير صفه. أو بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين على دعوته. وذلك {من بعد ما تبين لهم الهدى} .. وعرفوا أنه الحق ; ولكنهم اتبعوا الهوى، وجمح بهم العناد وأعماهم الغرض، وقادتهم المصلحة العاجلة."

قرار من الله مؤكد، ووعد من الله واقع أن هؤلاء {لن يضروا الله شيئًا} .. وهم أضأل وأضعف من أن يُذكروا في مجال إلحاق ضرر بالله سبحانه وتعالى. فليس هذا هو المقصود إنما المقصود أنهم لن يضروا دين الله ولا منهجه ولا القائمين على دعوته. ولن يُحدِثوا حدثًا في نواميسه وسننه. مهما بلغ من قوتهم، ومهما قدروا على إيذاء بعض المسلمين فترة من الوقت؛ فإن هذا بلاء وقتي يقع بإذن الله لحكمة يريدها ; وليست ضرًا حقيقيا لناموس الله وسنته ونظامه ونهجه وعباده القائمين على نظامه ونهجه. والعاقبة مقررة: {وسيحبط أعمالهم} .. فتنتهي إلى الخيبة والدمار. كما تنتهي الماشية التي ترعى ذلك النبات السام!" [في ظلال القرآن، (ج6/ 3300 ) ] ."

رابعًا: رفع الصوت في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [سورة الحجرات: 2] .

قال ابن عاشور:"ظاهر الآية التحذير من حبط جميع الأعمال لأن الجمع المضاف من صيغ العموم ولا يكون حبط جميع الأعمال إلا في حالة الكفر لأن من الأعمال الإيمان فمعنى الآية: أن عدم الاحتراز من سوء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا النهي قد يفضي بفاعله إلى إثم عظيم يأتي على عظيم من صالحاته أو يفضي به إلى الكفر."

قال ابن عطية: أي يكون ذلك سببًا إلى الوحشة في نفوسكم فلا تزال معتقداتكم تتدرج القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فحبط الأعمال.

وأقول: لأن عدم الانتهاء عن سوء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم يعود النفس بالاسترسال فيه فلا تزال تزداد منه وينقص توفير الرسول صلى الله عليه وسلم من النفس وتتولى من سيء إلى أشد منه حتى يؤول إلى عدم الاكتراث بالتأدب معه وذلك كفر. وهذا معنى {وأنتم لا تشعرون} لأن المنتقل من سيء إلى أسوأ لا يشعر بأنه آخذ في التملي من السوء بحكم التعود بالشيء قليلًا حتى تغمره المعاصي وربما كان آخرها الكفر حين تضرى النفس بالإقدام على ذلك.

ويجوز أن يراد حبط بعض الأعمال على أنه عام مراد به الخصوص فيكون المعنى حصول حطيطة في أعمالهم بغلبة عظم ذنب جهرهم له بالقول، وهذا مجمل لا يعلم مقدار الحبط إلا الله تعالى" [التحرير و التنوير، (ج17/4090) ] ."

ففي قوله {وأنتم لا تشعرون} تنبيه إلى مزيد الحذر من هذه المهلكات حتى يصير ذلك دربة حتى يصل إلى ما يحبط الأعمال، وليس عدم الشعور كائنا في إتيان الفعل المنهي عنه لأنه لو كان كذلك لكان صاحبه غير مكلف لامتناع تكليف الغافل ونحوه.

{يا أيها الذين آمنوا} .. ليوقروا النبي الذي دعاهم إلى الإيمان.

{أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} .. ليحذروا هذا المزلق الذي قد ينتهي بهم إلى حبوط أعمالهم، وهم غير شاعرين ولا عالمين، ليتقوه!

أثر هذا النداء في نفوس الصحابة:

ولقد عمل في نفوسهم ذلك النداء الحبيب، وهذا التحذير المرهوب، عمله العميق الشديد:

قال البخاري: عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا.. أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ؛ رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم في السنة التاسعة من الهجرة، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس رضي الله عنه أخي بني مجاشع أي ليؤمره عليهم وأشار الآخر برجل آخر. قال نافع: لا أحفظ اسمه"في رواية أخرى أن اسمه القعقاع بن معبد"فقال: أبو بكر لعمر رضي الله عنهما ما أردت إلا خلافي. فقال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك. فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} . قال ابن الزبير رضي الله عنه: فما كان عمر رضي الله عنه يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه! وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لما نزلت هذه الآية: قلت: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار"يعني كالهمس!".

منقبة عظيمة لثابت بن قيس رضي الله عنه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت