عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته، منكسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار. فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا. فقال موسى بن أنس: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: (اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة) . [صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم الحديث (3417) ] .
قال أنس رضي الله عنه: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة.
قال النووي: في هذا الحديث:
منقبة عظيمة لثابت بن قيس رضي الله عنه وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من أهل الجنة.
وفيه أنه ينبغي للعالم وكبير القوم أن يتفقد أصحابه ويسأل عمن غاب منهم.
فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب، وذلك التحذير الرعيب ; وهكذا تأدبوا في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون. ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم! ولكن هذا المنزلق الخافي عليهم كان أخوف عليهم، فخافوه واتقوه!
ونوه الله بتقواهم، وغضهم أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعبير عجيب:
{إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم} .
فالتقوى هبة عظيمة، يختار الله لها القلوب، بعد امتحان واختبار، وبعد تخليص وتمحيص، فلا يضعها في قلب إلا وقد تهيأ لها، وقد ثبت أنه يستحقها. والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله قد اختبر الله قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهبة. هبة التقوى. وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم.
إنه الترغيب العميق، بعد التحذير المخيف. بها يربي الله قلوب عباده المختارين، ويعدها للأمر العظيم. الذي نهض به الصدر الأول على هدى من هذه التربية ونور.
وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما ? ثم قال: من أين أنتما ? قالا: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا!
وعرف علماء هذه الأمة وقالوا: إنه يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته صلى الله عليه وسلم احترامًا له في كل حال.
ثم أشار إلى حادث وقع من وفد بني تميم حين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام التاسع. الذي سمي"عام الوفود".. لمجيء وفود العرب من كل مكان بعد فتح مكة، ودخولهم في الإسلام، وكانوا أعرابا جفاة، فنادوا من وراء حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم المطلة على المسجد النبوي الشريف: يا محمد. اخرج لنا. فكره النبي صلى الله عليه وسلم هذه الجفوة وهذا الإزعاج. فنزل قوله تعالى:
{إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم} .
فوصفهم الله بأن أكثرهم لا يعقلون. وكره إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وحرمة رسول الله القائد والمربي. وبين لهم الأولى والأفضل وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم. وحبب إليهم التوبة والإنابة، ورغبهم في المغفرة والرحمة.
وقد وعى المسلمون هذا الأدب الرفيع، وتجاوزوا به شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل أستاذ وعالم. لا يزعجونه حتى يخرج إليهم ; ولا يقتحمون عليه حتى يدعوهم.. يحكى عن أبي عبيد العالم الزاهد الراوية الثقة أنه قال:"ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه" [في ظلال القرآن، (ج 6 / 3340 ) ] .
خامسًا: الردة
قال تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة البقرة: 217] .
قال القرطبي رحمه الله:"استظهر علماؤنا بقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [سورة الزمر: 65] :"
قالوا: وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته; لأنه عليه السلام يستحيل منه الردة شرعًا.
وقال أصحاب الشافعي: بل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة، وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله; فكيف أنتم! لكنه لا يشرك لفضل مرتبته.
وقال علماؤنا: إنما ذكر الله الموافاة شرطًا ها هنا لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء; فمن وافى على الكفر خلده الله في النار بهذه الآية، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى.
فهما آيتان مفيدتان لمعنيين، وحكمين متغايرين. وما خوطب به عليه السلام فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه.