فهرس الكتاب

الصفحة 3227 من 27345

وهي أنه لما مات أبو بكر وولي عمر بعده فتحت الأمصار وتفرق الصحابة في الأقطار، واستقر المقام بكل مجموعة منهم في مصر من الأمصار، وكانت تنزل النازلة بأهل مكة أو أهل المدينة أو أهل اليمن أو أهل العراق أو أهل الشام أو أهل مصر فيفتي فيها من نزلت بهم من الصحابة بما يحصل عندهم فيها، وربما كانت هذه الفتوى مستندة إلى عموم أو اجتهاد سائغ، لولا كون المسألة قد ورد فيها نص يخصها غاب عمن أفتى هذه الفتوى، فقد حضر المدني ما لم يحضر المصري وحضر المصري ما لم يحضر الشامي، وقد ظل الحال على هذا بعد انقراض عصر الصحابة فترة من الزمن، فقد كانت كل طائفة من التابعين يفتون بما استقر عند من أدركوا من الصحابة، ومن هنا طغت آراء ابن عمر على فتاوى من بالمدينة من التابعين، لأنها كانت محل إقامته، وقد كان من أطول (المكثرين) لبثًا فيها، وكذا الحال بالنسبة لأهل مكة مع ابن عباس وبالنسبة لأهل الكوفة مع ابن مسعود.. وهلم جرَّا..

فلم يكن أهل مصر يخرجون عن فتوى من رووا عنه إلا نادرًا، وظل الحال على هذا عند ظهور من بعد التابعين كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة وابن جريج بمكة، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، وسوار بالبصرة، والأوزاعي بالشام، والليث بمصر، فقد جرى هؤلاء الأئمة على نفس طريقة من سبقوهم، فقد سلك كل واحد منهم مسلك من أخذ عنهم من التابعين وتابعي التابعين من أهل بلده.. إلخ.

تلكم كانت نبذة سريعة عن ظروف نشأة الخلاف وملابسات حصوله أول ما نشأ، وبعدها سننتقل إلى أسباب حصول الخلاف.

الفصل الأول

في أسباب حصول الخلاف عند الفقهاء

السبب الأول:

عثور البعض على دليل لم يعثر عليه الآخر، يقول ابن القيم وهو يتكلم عن أسباب حصول الخلاف:

"منها أن لا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلَّف أن يكون عالمًا بموجبه، فإذا لم يبلغه وقد قال في تلك النازلة بموجب ظاهر آية أو حديث آخر، أو بموجب قياس أو استصحاب فقد يوافق الحديث المتروك تارة ويخالفه أخرى، وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث، فإن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد، واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين هم أعلم الأمة بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأحواله وخصوصًا الصديق الذي لم يكن يفارقه..." ( [3] ) .

السبب الثاني:

هو كون الحديث قد بلغه لكن لم يثبت عنده لضعف من رواه عنه لكونه مجهولًا أو سيء الحفظ أو متهمًا، ويكون هذا الحديث بعينه قد ثبت عند غيره لكونه قد رواه له الثقات بالسند المتصل.

السبب الثالث:

اعتقاد أحدهم ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، فقد يعتقد أحد الأئمة ضعف رجل ويعتقد آخر قوته ويكون الحق تارة مع المضعِّف لاطلاعه على سبب خَفِيَ على الموثق، ويكون تارة مع الموثق لعلمه بأن ذلك السبب غير قادح في روايته وعدالته، إما لأن جنس ذلك السبب غير قادح أصلًا، وإما لكونه له فيه عذر أو تأويل يرفع عنه الحرج بسببه.

وقد يكون للمحدث حالان حال استقامة وحال اضطراب فيحكم الموثق بأن الحديث صحيح ظنًا منه أنه مما رواه في حال الاستقامة، ويحكم القادح بأنه ضعيف ظنًا منه أنه مما رواه في حال الاضطراب وهنا يأتي دور أهل التحقيق والتدقيق.

السبب الرابع:

اشتراط بعضهم في خبر الواحد العدل شروطًا يخالفه فيها غيره كاشتراط بعضهم أن يكون الراوي فقيهًا إذا خالف ما رواه القياس، واشترط آخرون انتشار الحديث وشيوعه إذا كان مما تعم به البلوى.

السبب الخامس:

أن ينسى الحديث أو الآية كما نسي عمر: (وآتيتم إحداهن قنطارًا) ، وآية (إنك ميت وإنهم ميتون) .

السبب السادس:

عدم معرفته بمدلول بعض ألفاظ الحديث لكونه غريبا عنده: المزابنة، المحاقلة، المخابرة، الملامسة، المنابذة.. ونحوها من الكلمات الغربية التي اختلف العلماء في تأويلها، ومن هذا القبيل:"لا طلاق ولا عتاق في إغلاق"، فمنهم من فسر الإغلاق بالإكراه، وهم أهل الحجاز، ومنهم من فسره بالغضب، وهم أهل العراق، ومنهم من فسره بجمع الثلاث في كلمة واحدة فإنه مأخوذ من غلق الباب أي أغلق عليه باب الطلاق جملة.

يقول ابن القيم: والصواب في لفظ الإغلاق أنه الذي يغلق صاحبه باب تصوره أو قصده كالجنون والسكر.

ومما يدخل تحت هذا السبب، وهو السبب السادس، الخلاف العارض من جهة كون اللفظ مشتركًا أو مجملًا أو مترددًا بين حمله على معناه عند الإطلاق (الحقيقة) أو على معناه عند التقييد (المجاز) كمسألة القرء ( [4] ) ، والخيط الأبيض من الخيط الأسود ( [5] ) .

السبب السابع:

أن يكون عارفًا بدلالة اللفظ وموضوعه، ولكن لا ينتبه لدخول هذا الفرد المعيَّن تحت اللفظ، إما لعدم إحاطته بحقيقة ذلك الفرد وأنه مماثل لغيره من الأفراد المشمولة باللفظ المذكور، وإما لعدم حضور ذلك الفرد بباله، وإما لاعتقاده اختصاصه بما يجعله خارجًا من اللفظ العام.

السبب الثامن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت