اعتقاده أنه لا دلالة في اللفظ على الحكم المتنازع فيه.
السبب التاسع:
هو أنه لما ظهرت المذاهب الفقهية المعروفة اشتغل كل أتباع مذهب بجمع وتحرير أقوال إمام مذهبهم، ووضع أصول المذهب وتقعيد قواعده، واتسعت دائرة الخلاف إلى أن أصبحت مواطن الاتفاق قليلة جدًا، وقد نشأ عن الاختلاف في القواعد اختلاف كبير في الفروع.
وما دامت كل قاعدة اختلف فيها ينشأ عن ذلك اختلاف في الفروع المتفرعة عنها فلك أن تتصور حجم الخلاف، وحتى القواعد الخمس الكبرى والتي عليها مبنى الفقه كله والتي يقال إنها سالمة من الاختلاف في الجملة فيها خمس وهي:
(1) الشك لا يرفع اليقين.
(2) الضرر ينفي.
(3) المشقة تجلب اليسر.
(4) العادة تَحكَّم حيث لا تجور.
(5) الأمور بمقاصدها.
وإلى هذا أشار من قال:
ــ نقول ــ حتى هذه القواعد لم تسلم في واقع الحال من الخلاف بل يزداد الأمر تعقيدًا، ودائرة الخلاف اتساعًا إذا أدرك الباحث حقيقة وهي أن هذه القواعد الخمس والتي قلنا إن الاتفاق قد وقع بين الفقهاء عليها في الجملة -إن سلم لنا هذا القول- لا يكادون يتفقون على شيء ذي بال مما بني عليها من الفروع عند التطبيق والتخريج فما يكون ضررًا عند هؤلاء لا يكون ضررًا عند أولئك وما يعد مقصدًا معتبرًا للشارع عند قوم لا يعد مقصدًا معتبرًا له عند آخرين.. وقس على ذلك.
السبب العاشر:
هو المعاصرة والاحتكاك، وهذا لا تجد له ذكرًا عند من يتكلمون في أسباب ورود الخلاف، والواقع أن ما ينشأ من الخلاف بين المتعاصرين أشد عمقا واتساعًا مما ينشأ بين غيرهم، وقد فطن لهذا الباب أهل الحديث فردوا قدح بعض المعاصرين في بعض يقول السيوطي في ألفيته:
واردد مقال بعض أهل العصر**في بعضهم عن ابن عبد البر
والسيوطي يشير هنا إلى ما ذكره ابن عبد البر في هذا المعنى، ومنه ما روي بإسناده إلى الحسن ابن أبي جعفر قال:"سمعت مالكًا بن دينار يقول: يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض فإنهم أشد تحاسدًا من التيوس في الزريبة تنصب لهم الشاة الضارب فينب هذا من هنا وهذا من هاهنا" ( [6] ) .
وقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء قصة أشهب مع الشافعي وذكرها غيره أيضًا، وملخصها أن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: إنه سمع أشهب يدعو على الشافعي بالموت، وفي رواية أنه كان يدعو عليه في السجود، وأن الباعث له على ذلك خشيته من أن يضيع مذهب مالك، وقد بلغ الخبر الشافعي فقال:
ولهذا قال الشافعي أيضًا:
وقصة البخاري وقصة سيبويه مشهورتان، وقد مات كل واحد منهما غمًا وكمدًا من سوء ما تعرض له من معاملة قاسية من قرن من معاصريه، فمات البخاري طريدًا مشردًا من الحافظ الذهلي، ومات سيبويه بعد أن تآمر عليه إمام القراء وإمام النحاة وهو قرن له وهو الكسائي.
وقد وجدت أثرًا لهذه الظاهرة استرعى انتباهي وهو أن بعض المؤلفين يختمون كتبهم بما يؤذن بشعورهم بمرارة بسبب ما وقع من بعض معاصريهم، فقد أنشد السيوطي في خاتمة كتابه الإتقان أبياتًا قديمة مشهورة وهي:
وكذلك فعل ابن هشام النحوي في خواتم بعض كتبه فقد أنشد هو الآخر قول القائل:
ويقول الزمخشري:
ولئن كان المشتغلون بنقد الأسانيد قد تنبهوا لهذا الأمر فقد تنبه له بعض الفقهاء أيضًا، يقول خليل بن إسحاق المالكي وهو يعد المواطن التي لا تقبل فيها الشهادة لأجل العداوة يقول:"ولا عالم على مثله"، فمجرد كونهما عالمين متعاصرين يجعلهما في مظنة العداوة بحيث يكون ظن ذلك ظنًا غالبًا يمنع قبول شهادة أحدهما على الآخر.
وقال المواق في التاج والإكليل عند قول خليل المتقدم:"ولا عالم على مثله"قال ابن وهب: لا يجوز شهادة القارئ على القارئ يعني العلماء لأنهم أشد تحاسدًا ( [8] ) .
ومن المعلوم أن ابن عرفة قد خالف ما ذهب إليه خليل وشراحه في هذه المسألة، ولا يهمنا هنا ما هو القول الراجح بل الذي يهمنا هو أن المعاصرة سبب من أسباب ظهور الخلاف قد لا يفطن له الكثيرون، فلا يكاد الناس يعرفون لعالم قدره إلا بعد أن يوارى جثمانه الثرى ولسان حاله معهم ينشد قول القائل:
لا ألفينك بعد الموت تندبني***وفي حياتي ما زودتني زادا
السبب الحادي عشر:
هو أن إنكار القياس والالتفات إلى العلل والمقاصد عند أهل الظاهر ومن على شاكلتهم يقابله توسع شديد في النظر إلى المقاصد والعلل عند آخرين، مما يجعل هوة الخلاف بينهما متسعة بشكل كبير حتى وصل الأمر ببعض العلماء ــ كالنووي ــ إلى عدم اعتبار أهل الظاهر في الإجماع بحيث يمكن أن يعد الإجماع منعقدًا مع وجود المخالفين منهم.
ومما يدخل تحت هذا السبب القول بسد الذرائع المفضية إلى الحرام.
السبب الثاني عشر:
حول النسخ، وقد نشأ عن الخلاف في مسألة النسخ خلاف في فروع كثيرة لا تكاد تدخل تحت حصر، ومن أشهر مواطن هذا الخلاف هنا موطنان: