فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 27345

خامسًا: قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد .." [المائدة: 72-73] ، فالوصف بالكفر جاء في القرآن سواء لمن قال بأن الله هو المسيح ابن مريم أو أن الله ثالث ثلاثة (20) وينقل سيد قطب عن أبي زهرة ما انتهت إليه المجامع النصرانية من الاتفاق على التثليث وألوهية المسيح والخلاف فيما بينها بعد ذلك، كما أنه ينقل أقوالًا عن بعض الكتاب النصارى أمثال (نوفل بن نعمة الله بن جرجس النصراني) ، و (الدكتور بوست) ، هذه الأقوال تحاول تفسير عقيدة التثليث، والقول بأن البرهان العقلي عليها مؤجل وليس هذا أوانه (21) والقرآن يرد على هذه التقولات بمنطقه، إذ"يواجههم بالمنطق الواقعي القويم، لعله يرد فطرتهم إلى الإدراك السليم، مع التعجيب من أمرهم في الانصراف عن هذا المنطق بعد البيان والإيضاح"، حيث أجابهم القرآن بقوله تعالى: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} ، واكل الطعام مسألة واقعية في حياة المسيح وأمه ولا ينكرها النصارى، وأمه صديقة ليس أكثر، وهذا دليل على أنهما من الحياء الحادثين، ودليل بشريتهما، فالكل تلبية لحاجة جسدية، والله حي بذاته، قائم بذاته، باق بذاته، لا يحتاج.. ونظرا لوضوح هذا المنطق الواقعي ونصاعته التي لا يجادل فيها إنسان يعقل، فإن القرآن يعقب عليه باستنكار موقفهم والتعجيب من انصرافهم عن ذلك المنطق (22) .

سادسًا: قوله تعالى:"وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون" [التوبة:30] ،يرى سيد قطب أن القول ببنوة المسيح لله قول مشهور، وأول من ادعاه هو (بولص) ، ثم ما تلاه من مجامع مقدسة (23) ، ثم ينقل عن تفسير المنار معنى (الثالوث-Trinity) ، حيث يورد صاحب المنار معانيها عند الكاثوليك والبروتستانت، ثم كيفية نشأتها في العهد الرسولي، وتأثير الفلاسفة اليونان، والأساقفة الهيلانيين، كما يورد تعريف ديكارت للتثليث الذي حاول هو وغيره من العقلانيين إسباغ تفسير عقلي للتثليث (24) . أما التعقيب القرآني {ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل} ، فهو يثبت أن القول صادر منهم، وليس مقولا عنهم، ثم أن النص القرآني بإعجازه يشير إلى أصل فكرة التثليث، ولم يتضح مداه الدلالي إلا مع دراسة العقائد الوثنية حديثا في الهند ومصر القديمة والإغريق، مما اتضح معه أصل العقائد المحرفة عند أهل الكتاب - وبخاصة النصارى- وتسربها من هذه الوثنيات إلى تعاليم (بولص الرسول) أولًا، ثم إلى تعاليم المجامع المقدسة أخيرًا .. (25) .وأشار سيد إلى الثالوث المصري، (أوزوريس وإيزيس وحوريس) ، والهندي (برهما وفشنو وسيفا) ، والآشوريون والإغريق، فمراجعة العقائد الوثنية القديمة تثبت النص القرآني {يضاهون قول الذين كفروا من قبل} (26) .

قواعد المنهج عند سيد قطب: في ختام هذا العرض الموجز لأهم تفسيرات سيد قطب للآيات التي تعرض لعقيدة التثليث النصرانية، ورده عليهم، نحاول تحديد بعض معالم هذا المنهج الذي استخدمه سيد في تفسيره لهذه الآيات.

1.التركيز على توضيح التصور الإسلامي: لا يبدو سيد قطب عند تفسيره لهذه الآيات منشغلا كثيرا بالرد على النصارى بقدر ما كان يهدف إلى توضيح التصور الإسلامي عن الله تعالى، القائم على التوحيد بخصائصه التي بينها سيد قطب في كتابه (خصائص التصور الإسلامي ومقوماته) ، فالتصور الإسلامي القائم على الوضوح والبساطة، يؤدي إلى حل كثير من التعقيدات التي وقع فيها النصارى وغيرهم، لما انطلقوا من النظرة الفلسفية في عالم الغيبيات، ولما لم يتخلوا عن الرواسب الوثنية، فالبديل لهذه النظرة الفلسفية المغرقة في الإغراب هي النظرة العقيدية التي تتوقف بالعقل البشري عند حدود إدراكهن وعند متطلبات إنجاز وظيفة الاستخلاف، التي أنيطت بالإنسان ليؤديها في هذه الأرض.

2.الاعتماد على الفطرة والمنطق الواقعي: لم يدخل سيد قطب في كثير من الجدل العقلي المجرد، ولم يتجه إلى المناقشات الكلامية التي لاحظناها عند الرازي، بل استعمل منطق الفطرة الذي يفهمه كل إنسان، وحاول من خلاله تزييف آراء الشرك، وإثبات الوحدانية في صورتها الإسلامية النقية، ولعل هذا يرجع إلى تأثير المحيط الذي يعيشه سيد قطب، وإلى العصر الذي عاشه، إذ كان الأمر يغلب عليه الجانب العملي والعلوم التطبيقية وليس منهج المتكلمين أو مجادلات الفلسفة التجريدية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت