فهرس الكتاب

الصفحة 3369 من 27345

السبب الخامس: قلة العناية بالمراجعة والمحاسبة

إذ هي توقف المرء على جوانب الخلل في عمله، ولا يسوغ أن يكون مانعًا عن المراجعة والمحاسبة:

1-أنه ورث هذا العمل عن من يحسن الظن بهم ويثق بهم ويثق بمسلكهم.

2-أن يكون النقد صادرًا ممن لا يرعى فيه الأدب الشرعي.

3-أن يكون النقد من أهل الإثارة واللغط على المصلحين والمؤمن يقبل الحق ممن جاء بهن ولو ساءت نيته أو أساء الأدب في عرضه.

من صور الإخلال بالضوابط الشرعية

الصورة الأولى: الاعتماد على القواعد الشرعية العامة المجملة دون النظر للنصوص الخاصة في المسألة

والشريعة لا يمكن أن تتناقض , والقواعد العامة للشرع إنما تفهم في إطار سائر النصوص ,

ومن أهم هذه القواعد مراعاة المصلحة؛ إذ كثير من المخالفات العظام في الساحة الإسلامية تجرأ عليها أصحابها باسم المصلحة , وإن جلب المصلحة ودرء المفسدة قاعدة شرعية عظيمة يجب أن تكون ضمن ضوابط من أهمها أن لا تخالف نصًا وإلا كانت مصلحة ملغاة.

الصورة الثانية: عدم وضوح قضية الظاهر والباطن

من القواعد الشرعية أخذ الناس بظواهرهم وعدم التنقيب عما وراء ذلك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: [ إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ] رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وأحمد كلهم من حديث أبي سعيد الخدري , وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: [ يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ] رواه الترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا لمعاوية: [ إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ ] رواه أبو داود , وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [ من أظهر لنا خيرًا ظننا به خيرًا وأجبناه عليه، ومن أظهر لنا شرًا ظننا به شرًا وأبغضناه عليه ] .

وقد نص طائفة من أهل العلم على أن أحكام الشرع مبناها على الظاهر , فقال ابن القيم رحمه الله: [ فإن الله سبحانه لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر؛ بل على الظواهر والسرائر تبع لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر والظواهر تبع لها ] .

ومن صور التجاوز نتيجة غياب هذا المفهوم ما قد يمارسه بعض المربين ؛ حيث تدعو الشفقة والحرص والعناية المربي إلى محاولة معرفة ما وراء الظاهر من التجسس و الاستماع لحديث غيره دون علمه , والدافع لذلك كله حسن؛ فهو يسعى للتربية والإصلاح، ويريد قياس نتاج تربيته، ويخشى أن يغتر بالمظاهر، لكن ذلك كله لا يسوغ أن يكون على حساب الضوابط الشرعية، ومما يعين المربي على الاقتناع بالوقوف عند حدود الظاهر:

أ-أنه غير مكلف شرعًا بما لا يظهر له، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عن نفسه: [ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ] أخرجه السبعة ماعدا الترمذي عن أم سلمة , فإذا كان هذا الشأن في الحقوق والأحكام؛ فكيف بما هو دونها من أمور التربية والتوجيه؟

ب-المربي ليست مهمته إصلاح الناس وهدايتهم؛ بل ذلك أمره إلى الله وحده , إنما مهمته دعوتهم والاجتهاد في سلوك أقرب الطرق الموصلة لاستجابتهم , وهاهو محمد صلى الله عليه وسلم لم يستطع هداية عمه، وهاهو نوح مع ابنه، وإبراهيم مع أبيه، ونوح ولوط مع زوجتيهما، فوقوع المتربي في المعصية ليس بالضرورة دليلًا على فشل المربي أو تقصيره في مهمته.

ومما يعين المربي على تحقيق الاتزان في هذه القضية إدراك الارتباط بين صلاح الظاهر والباطن؛ فصلاح الباطن أو فساده لا بد أن يبدو أثره على ظاهر الإنسان، ومن ثم فليس بحاجة على التطلع إلى الباطن والتفتيش عنه.

الصورة الثالثة: التهاون بحجة مسائل الاجتهاد

ثمة قضايا كثيرة ضمن الوسائل الدعوية والتربوية اختلف فيها أهل العلم حلًا وحرمة، وبعض المربين يشعر أن هذه الأمور ما دامت ضمن مسائل الاجتهاد فالباب فيها مفتوح على مصراعيه دون ضوابط, فيسلك فيها ما يهواه دون أي اعتبار لأمر آخر؛ مع أنه لا بد أن يتحرى ويجتهد في اتباع ما يؤدي إليه الدليل الشرعي.

الصورة الرابعة: إهمال الورع الشرعي الواجب

ومن ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت