وردت أحاديث كثيرة بطرق متعددة في الزكاة في العسل: إلا أن هذه الروايات انتقدها العلماء المحدثون، بل وصرح بعضهم أنه لا يصح في هذه الباب شيء .
فهل معنى هذا الانتقاد: عدم قبول هذه الروايات وردها إذ لم يصح منها شيء في أخذ الزكاة من العسل، وذلك عند تقسيم الحديث: إلى مقبول وهو: ما صح ولم ينتقد ،وإلى مردود وهو: ما اتنقد .
أو المعنى:قبول هذه الروايات حيث لا يلزم من قبولها بلوغها درجة الصحيح وعدم انتقادها ،وذلك عند تقسيم الحديث: إلى صحيح لذاته ولغيره ،وإلى حسن لذاته ولغيره ،وإلى ضعيف .
وأيضا: فإن الانتقاد يختلف من رواية إلى رواية أخرى فقد يكون الانتقاد في الراوي:أنه سيء الحفظ،
أو أنه يلقن ، أو كونه صدوق ، وقد يكون الانتقاد في الراوي:انه يكذب.
وعليه ففي هذه الروايات الواردة في أخذ الزكاة من العسل وردت الانتقادات ،ولان الروايات في أخذ الزكاة من العسل كثيرة، ووردت بطرق متعددة ،فيختلف الانتقاد باختلاف الطرق .
وفي هذا البحث سأذكر هذه الروايات مع بيان مصادرها ،وحكم العلماء المحدثين عليها.
وكذلك وردت آثار فيها عدم أخذ الزكاة من العسل، وسأبدأ بذكر هذه الآثار مستمدا من الله العون والسداد .
أولًا: الروايات التي لم يرد فيها أخذ الزكاة من العسل:
في الموطأ ،وسنن البيهقي،وكنز العمال:
عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه قال: جاء كتاب من عمر بن عبد العزيز إلى أبي وهو بمنى أن لا يأخذ من العسل ولا من الخيل صدقة. (25)
وفي سنن الترمذي ،ومصنف عبد الرزاق:
وحدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع: قال سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل قال قلت: ما عندنا عسل نتصدق منه ولكن أخبرنا المغيرة بن حكيم أنه قال ليس في العسل صدقة فقال عمر: عدل مرضي فكتب إلى الناس أن توضع يعني عنهم . (26)
والمغيرة بن حكيم: تابعي ثقة وما ذكره من النفي لم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم: فهو مقطوع، ولو رفعه لكان"مرسل". (27)
وفي مصنف عبد الرزاق:
وري عن طاووس عن معاذ بن جبل قال: سألوه عما دون ثلاثين من البقر وعن العسل قال: لم أومر فيها بشيء (28) .
وفي مصنف ابن أبي شيبة:
كان سفيان يقول: ليس في العنبر ولا في العسل ولا في الأوقاص زكاة . (29)
وفي سنن البيهقي:
عن علي رضي الله عنه قال: ليس في العسل زكاة. (30) ، قال يحيى وسئل حسن بن صالح عن العسل فلم ير فيه شيئا. (31) ، وذكر عن معاذ: أنه لم يأخذ من العسل شيئا. (32)
ثانيا: الروايات التي فيها الزكاة في العسل:
رواية أبي داود:
حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني ثنا موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي له واديا يقال له سلبة"فحمى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك الوادي"فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك، فكتب عمر رضي الله عنه:"إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء" (33) .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن بني شبابة ـ بطن من فهم ـ كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عسل لهم العشر من كل عشر قرب قربة و كان يحمي لهم واديين فلما كان عمر ابن الخطاب استعمل عليهم سفيان بن عبد الله الثقفي فأبوا أن يؤدوا إليه شيئا، وقالوا: إنما ذاك شيء كنا نؤديه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكتب سفيان إلى عمر بذلك، فكتب إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما النحل ذباب غيث يسوقه الله رزقا إلى من يشاء ،فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحم لهم وادييهم، وإلا فخل بين الناس و بينهما فأدوا إليه ما كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و حمى لهم وادييهم . (34)
قال أبو بكر: هذا الخبر إن ثبت ففيه ما دل على أن بني شبابة إنما كانوا يؤدون من العسل العشر لعلة