وبناء عليه فقد ذكر ابن القيم في"الزاد" (2/76) ، وابن حجر في"الفتح" (4/246) أن صيام عاشوراء على ثلاث مراتب:
أكملها: أن يصام قبله يومٌ وبعده يوم.
ويليها: أن يصام التاسع والعاشر.
ويليها: إفراد العاشر وحده بالصوم.
قلت: أما الأولى وهي أن يصام قبله يوم وبعده يوم؛ فلم يثبت بها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما صح ذلك عن ابن عباس موقوفًا عليه.
لكن له أن يفعل ذلك لأحد أمرين:
إما أن يشك في دخول الشهر، فيصوم ثلاثة أيام احتياطًا، فقد روي عن الإمام أحمد أن قال:"فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام ، وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر". المغني (4/441) .
وقد ذكر رجب في"اللطائف"ص109، أن ممن روى عنه فعل ذلك أبو إسحاق وابن سيرين، وأنهما إنما يفعلان ذلك عند الاختلاف في هلال الشهر احتياطًا.
الحال الثانية: أن ينوي بصيامها مع صيام يوم عاشوراء، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لما ثبت في"الصحيحين"عن عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله".
وقد نص الشافعي رحمه اللَّه في"الأم"على استحباب صيام ثلاثة أيام التاسع والعاشر والحادي عشر.
* وأما صيام التاسع مع العاشر، فهو الذي وردت به السنة كما تقدم ، قال ابن حجر رحمه اللَّه في"الفتح" (4/245) -في تعليقه على حديث:"لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"-:"ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه ألا يقتصر عليه، بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطًا له، وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - كما في"الفتاوى الكبرى" (2/259) :"نهى صلى الله عليه وسلم عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة، مثل قوله في عاشوراء:"لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع"."
* وأما إفراد العاشر وحده بالصوم، فقد صرح الحنفية بكراهته. الموسوعة الفقهية (28/90) .
قال شيخ الإسلام رحمه اللَّه:"ومقتضى كلام أحمد: أنه يكره الاقتصار على العاشر؛ لأنه سئل عنه فأفتى بصوم اليومين وأمر بذلك، وجعل هذا هو السنة لمن أراد صوم عاشوراء، واتبع في ذلك حديث ابن عباس، وابن عباس كان يكره إفراد العاشر على ما هو مشهور عنه". اقتضاء الصراط المستقيم (1/420) .
وقال في موضع آخر:"صيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ولا يكره إفراده بالصوم". الفتاوى الكبرى (4/461) .
* أي يوم عاشوراء؟
قال النووي رحمه اللَّه:"عاشوراء وتاسوعاء اسمان ممدودان ، هذا هو المشهور في كتب اللغة، قال أصحابنا هو اليوم العاشر من المحرم، وتاسوعاء هو التاسع منه، وبه قال جمهور العلماء... وهو ظاهر الأحاديث، ومقتضى إطلاق اللفظ، وهو المعروف عند أهل اللغة"اهـ. المجموع (6/383) .
وقال ابن المنير:"الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر اللَّه المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية"الفتح (4/245) .
قلت: لكن ورد عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما ما يخالف ذلك:
17-عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس رضي اللَّه عنهما، وهو متوسِّد رداءه عند زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال:"إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: هكذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال: نعم".
أخرجه مسلم (1133) ، وأبو دواد (2/327) (ح2446) ، والترمذي (2/119) (ح754) ، وأحمد (1/239، 280) ، وابن خزيمة (2098) ، والطحاوي (2/75) ، وابن حبان (8/395) (ح3633) ، والبيهقي (4/287) .
فهذا الحديث يدل على أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم.
لكن أجاب ابن القيم رحمه اللَّه في"الزاد" (2/75) عن ذلك بقوله:"من تأمل مجموع روايات ابن عباس، تبين له زوال الإشكال، وسعة علم ابن عباس، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فِعل ذلك هو الأولى، وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به، وعزق عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي روى:"صوموا يومًا قبله ويومًا بعده"، وهو الذي روى: أمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر. وكل هذه الآثار عنه يصدّق بعضها بعضًا، ويؤيد بعضها بعضًا"اهـ.
قلت: تقدم أن حديث"صوموا يومًا قبله ويومًا بعده"لا يصح مرفوعًا .
وقال في"تهذيب السنن" (3/324) - عن قوله"هكذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصومه":"وصدق رضي اللَّه عنه ، هكذا كان يصومه لو بقي ..".
خاتمة: