وبعبارةٍ أُخرى، فإنَّ تطبيق هذا المنهج كاملًا، كفيلٌ بإزالة هذه الازدواجية التي نعاني.
الوقفة الثانية: إنه لا شيء يضبط السلوك، ويزكي النفوس، ويأطرُ النفس على محاسن الأخلاق وترك سيئها، غير توحيد الله عز وجل، والخوف منه سبحانه، ورجاءَ ثوابه ومراقبته في السر والعلن، والشعورُ باطلاعهِ عز وجل على خفايا القلوب، ومنحنيات الدروب، وهذا كلهُ لا يتأتى إلاَّ بالتربية على التوحيد، ومعرفة أسماء الله عز وجل وصفاته، ومقتضياتها والتعبد له سبحانه بها، مما يكونُ له الأثر في ظهور آثارها على أخلاق العبد وسلوكه.
وإذا لم يوجد هذا الشعور، وهذه التربية على العقيدة، فإنَّهُ لا تنفع أي محاولة مهما كانت في تهذيب سلوك الناس، مهما وضع من النظمِ والقوانين والعقوبات، فغاية ما فيها ضبط سلوك الفرد أمام الناس، فإذا غاب عن أعينهم ضاعت الأخلاق، واضطربت القيم، وهذا هو الفرقُ في علاج انحرافات النفس البشرية، والمجتمع الإنساني بين منهج الله عز وجل، القائم على تربية الناسِ على العقيدة، وبين المناهج الجاهلية البعيدة عن منهج الله عز وجل.
ومثالًا على ذلك ننقلُ ما كتبه سيد قطب- رحمه الله تعالى- عن تحريم الخمر، وكيف عجزت أمريكا عن إقناع الناس بتركه، بينما انتهى المسلمون عن شربها بمجرد أن نهاهم الله عز وجل عنها.
يقول رحمه الله تعالى: (( أما في أمريكا، فقد حاولت الحكومة الأمريكية مرة القضاء على هذه الظاهرة، فسنت قانونًا في سنة 1919سمي قانون »الجفاف «!من باب التهكم عليه، لأنَّهُ يمنع » الري« بالخمر!، وقد ظل هذا القانون قائمًا مدة أربعةَ عشر عامًا، حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائه في سنة 1933.
وكانت قد استخدمت جميع وسائل النشر، والإذاعة والسينما، والمحاضرات للدعاية ضد الخمر، ويقدرون ما أنفقتهُ الدولة في الدعاية ضد الخمر، بما يزيدُ على ستين مليونًا من الدولارات، وأنَّ ما نشرته من الكتبِ والنشرات، يشتملُ على عشرة بلايين صفحة، وما تحملتهُ في سبيلِ تنفيذِ قانون التحريم من مدةِ أربعة عشر عامًا، لا يقلُّ عن250 مليون جنيه، وقد أعدم فيها 300 نفس، وسجن كذلك 532.335 نفسًا، وبلغت الغرامات 16 مليون جنيه، وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة ملايين جنيه، وبعد ذلك كله اضطرت إلى التراجع وإلغاء القانون.
فأما الإسلام فقضى على هذه الظاهرة العميقة في المجتمع الجاهلي،
ببعض آياتٍ من القرآن، وهذا هو الفرقُ في علاج النفس البشرية، وفي علاج المجتمع الإنساني، بين منهج الله، ومناهج الجاهلية قديمًا وحديثًا على السواء !
لقد تمت المعجزة؛ لأنَّ المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته الخاصة. أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته، وبحضور الله فيها، حضورًا لا تملك الغفلة عنه لحظة من زمان، أخذها جملة لا تفاريق ، وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة، فمتى يدرك هذه الحقيقة البسيطة، من يحاولون أن يضعوا لحياة الناس مناهج غير منهج العليم الخبير؟ وأن يشرعوا للناس قواعد غير التي شرعها الحكيم البصير؟ وأن يقيموا للناس معالم لم يقمها الخلاق القدير؟ متى؟ متى ينتهون عن هذا الغرور؟ ( [3] ) .
ومثالٌ آخر: رأيتهُ بعيني، وحُزَّ في نفسي، وذلك أثناء رحلةٍ من الرحلات الخارجية، سافرت فيها في سنة من السنوات من بلدي، وكان معنا بعض العوائل، ومن بينهم أسرةٌ من زوج وزوجة وابن لهما، وكانت المرأة قبل إقلاع الطائرة من بلدها محتشمة متسترة، قد غطت وجهها وشعرها وسائر جسدها بخمارٍ وعباءة، ولكنها ويا للأسف ما إن أقلعت الطائرة، واستوت في الفضاء، حتى لفت تلك العباءة ونزعت ذلك الخمار، ودستهما في حقيبتها اليدوية، ثم أصبحت سافرة الرأس والشعر والوجه !! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وبعد رجوعي إلى بلدي، تكرر المنظرُ مرةً أخرى، ولكنهُ في هذه المرة بشكلٍ آخر، إذ كان معنا بعض العوائل، وكان فيهم نساء في تبرجٍ وسفورٍ فاضح طيلة الرحلة، وما إن اقتربت الطائرة من الهبوط إلى بلدهنَّ المحافظ، حتى خرجت العباءات والخُمر من الحقائب، واختفى ما كان منهنَّ من تبرجٍ وسفور وزينة.
فعلى أي شيءٍ يدل هذا؟ إنَّهُ والله يدل على رقةِ الدين، وضعف العقيدة، وبالتالي ضعفت الأخلاق أو ضاعت؛ إذ لو كانت العقيدة والخوف من الله عز وجل في القلوب، لما تغير السلوك بمجرد تغير البيئة، وزوال الرقيب من الناس، ولكنَّها العادات والتقاليد المنبتة عن العقيدة، والتي لا تنشئ إلاَّ النفاق والتربية المشوهة، والازدواجية الكريهة.
ومن خلال هذين المثالين، يتبن لنا أهمية التربية على العقيدة، حيث إنَّها الأصل في صلاح النفوس والأخلاق، وبدونها تفسد الأخلاق والقيم، ولو صلحت بعض الأخلاق بدوافع أخرى غير العقيدة، كالعادات ورقابة القانون، أو المصالح النفعية، فإنها لا تدوم بل تزول بزوال المصلحة أو الرقيب.